ب - مكتبة العلوم الشاملة

نزل تشريع الطلاق في سورتين علي مرحلتين متتابعتين تاريخيا 1. سورة البقرة في العام 1 أو 2هجري وتوابعه في سورة النساء والاحزاب وبعض المواضع المتفرقة بين سورة البقرة وسورة الطلاق { في الخمسة اعوام الاولي بعد الهجرة} وبيانات قاعدته في هذه المواضع التلفظ بالطلاق ثم الاعتداد استبراءا ثم التسريح. * 2.ثم نزل التشريع الاخير المحكم في العام 6 او7 هجري بترتيب تشريعي معكوس وبعلم الله الباري في سورة الطلاق في العامين السادس6. او السابع7. الهجري فؤمر كل من يريد التطليق عكس موضعي الطلاق بالعدة والعدة بالطلاق

مكتبة العلوم الشاملة

false EN-GB X-NONE AR-SA ath"/>

مكتبة العلوم الشاملة

https://sluntt.blogspot.com/

 

السبت، 12 فبراير 2022

الرسالة السنية إلى الطائفة العدوية تصنيف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعفى عنه آمين

     الرسالة السنية إلى الطائفة العدوية   تصنيف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعفى عنه آمين
وصلى على محمد وآله وصحبه أجمعين

توجد نسخة مخطوطة{اضغط للتجميل من ويكي}
محتويات

1 فصل
2 فصل: (في أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه)
3 الفصل الأول
4 فصل في التحذير من الغلو في بعض المشائخ
5 فصل في الاقتصاد في السنة واتباعها
6 فصل في وجوب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة
7 فصل في أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان

من أحمد ابن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي رحمه الله ومن نحا نحوهم - وفقهم الله لسلوك سبيله وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله ﷺ وجعلهم معتصمين بحبله المتين، مهتدين لصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجنبهم طريق أهل الضلال والاعوجاج الخارجين عما بعث الله به رسوله ﷺ من الشرعة والمنهاج، حتى يكونوا ممن أعظم الله عليهم المنة بمتابعة الكتاب والسنة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيد ولد آدم ﷺ وأكرم الخلق على ربه وأقربهم إليه زلفى وأعظمهم عنده درجة، محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنًا عليه، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله.
وجعلهم أمة وسطًا أي عدلًا خيارًا، ولذلك جعلهم شهداء على الناس، هداهم لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، ثم خصهم بعد ذلك بما ميزهم وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم.
فالأول: مثل أصول الإيمان وأعلاها وأفضلها هو التوحيد وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}، [1] وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}، [2] وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}، [3] وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ]}، [4] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}. [5]
ومثل الإيمان بجميع كتب الله، وجميع رسله، كما قال تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. [6] ومثل قوله تعالى: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، [7] ومثل قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} إلى آخرها. [8]
ومثل الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم به، حيث قال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. [9]
ومثل أصول الشرائع كما ذكر في سورة الأنعام والأعراف وسبحان وغيرهن من السور المكية: من أمره بعبادته وحده لا شريك له، وأمره ببر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والعدل في المقال، وتوفية الميزان والمكيال، وإعطاء السائل والمحروم، وتحريم قتل النفس بغير الحق، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الإثم والبغي بغير الحق، وتحريم الكلام في الدين بغير علم، مع ما يدخل في التوحيد من إخلاص الدين لله، والتوكل على الله والرجاء لرحمة الله، والخوف من الله، والصبر لحكم الله والقيام لأمر الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين.
إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل الله ذكرها في مواضع من القرآن، كالسور المكية وبعض المدنية.
وأما الثاني: فما أنزله الله في السور المدنية من شرائع دينه، وما سنه الرسول ﷺ لأمته، فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة وامتن على المؤمنين بذلك، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك، فقال: {وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}. [10] وقال: {لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [11] وقال: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله وَالْحِكْمَةِ}. [12]
قال غير واحد من السلف: الحكمة هي السنة؛ لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواجه رضي الله عنهن سوى القرآن هو سننه ﷺ؛ ولهذا قال ﷺ: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه» وقال حسان بن عطية: كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن، فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن.
وهذه الشرائع التي هدي الله بها هذا النبي وأمته مثل: الوجهة، والمنسك، والمنهاج، وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها بهذا العدد، وهذه القراءة، والركوع، والسجود، واستقبال الكعبة.
ومثل فرائض الزكاة ونصبها التي فرضها في أموال المسلمين: من الماشية والحبوب، والثمار، والتجارة، والذهب، والفضة، ومن جعلت له، حيث يقول: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. [13]
ومثل صيام شهر رمضان، ومثل حج البيت الحرام، ومثل الحدود التي حدها لهم في المناكح والمواريث والعقوبات والمبايعات، ومثل السنن التي سنها لهم من الأعياد والجمعات والجماعات في المكتوبات والجماعات في الكسوف والاستسقاء وصلاة الجنازة والتراويح.
وما سنه لهم في العادات مثل المطاعم والملابس والولادة والموت، ونحو ذلك من السنن والآداب، والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم في الدماء والأموال والأبضاع والأعراض والمنافع والأبشار، وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ.
وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فجعلهم متبعين لرسوله ﷺ، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم قبلهم؛ إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى رسولا إليهم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [14] وقال تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ}. [15]
ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة. ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة عن أهل الباطل، الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين.
فإن الله أمر في كتابه باتباع سنة رسوله ﷺ ولزوم سبيله، وأمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، فقال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} [16] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله}، [17] وقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}، [18] وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [19] وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}، [20] وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}، [21] وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ}، [22] {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [23] وقال تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}، [24] وقال تعالى في أم الكتاب: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}. [25]
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون». فأمر سبحانه في أم الكتاب التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، والتي أعطيها نبينا ﷺ من كنز تحت العرش، التي لا تجزئ صلاة إلا بها: أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم، كاليهود، ولا الضالين، كالنصارى.
وهذا الصراط المستقيم هو دين الإسلام المحض، وهو ما في كتاب الله تعالى، وهو السنة والجماعة فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض؛ فإن النبي ﷺ روى عنه من وجوه متعددة رواها أهل السنن والمسانيد، كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال: «ستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» وفي رواية: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وهذه الفرقة الناجية: أهل السنة، وهم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون.
ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا وقتلوا فريقًا.
بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أربابًا، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ الله وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}. [26]
ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة، كما تقوله النصارى، ولا كفروا به، وقالوا على مريم بهتانًا عظيمًا، حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود، بل قالوا: هذا عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه.
وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء، ويمحو ما شاء، ويثبت، كما قالته اليهود، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}، [27] وبقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ الله قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقا لِّمَا مَعَهُمْ}. [28]
ولا جَوَّزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله، فيأمروا بما شاؤوا وينهوا عما شاؤوا، كما يفعله النصارى، كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله}. [29] قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، ما عبدوهم؟ قال: «ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم».
والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره. وقالوا: سمعنا وأطعنا، فأطاعوا كل ما أمر الله به، وقالوا: {إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}، [30] وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيمًا.
وكذلك في صفات الله تعالى: فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة. وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت. إلى غير ذلك.
والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، فقالوا: إنه يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب.
والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ليس له سمى ولا ند، ولم يكن له كفوًا أحد، وليس كمثله شيء، فإنه رب العالمين وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه {ن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}. [31]
ومن ذلك: أمر الحلال والحرام، فإن اليهود كما قال الله تعالى: {فبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}. [32] فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبط، ولا شحم الثرب والكليتين ولا الجدي في لبن أمه، إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعًا، والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمرًا، وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت.
وأما النصارى، فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}، [33] ولهذا قال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [34]
وأما المؤمنون، فكما نعتهم الله به في قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. [35] وهذا باب يطول وصفه.
وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق. فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.
فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل.
وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ}. [36]
فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير. فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات.
ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار، ولا يسمونه مجبورًا، إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارًا لما يفعله فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره، وهذا ليس له نظير، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية، الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية.
فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته.
وهم أيضا في أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم وسط بين الغالية، الذين يغالون في على رضي الله عنه فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيًا أو إلهًا، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره، وكفر عثمان رضي الله عنهما ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبون سب على وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة على رضي الله عنه وإمامته.
وكذلك في سائر أبواب السنة، هم وسط؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
فصل
وأنتم أصلحكم الله قد مَنَّ الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله، وعافاكم الله مما ابتلى به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب. والإسلام أعظم النعم وأجلها؛ فإن الله لا يقبل من أحد دينًا سواه {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [37] وعافاكم الله بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة، مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية، بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته، وقضائه وقدره، أو يسب أصحاب رسول الله ﷺ ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك، فإن هذا من تمام الإيمان وكمال الدين؛ ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين وأهل القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين، وما زال في عساكر المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيدة منكم، من يؤيد الله به الدين، ويعز به المؤمنين.
وفي أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال الزكية والطريقة المرضية، وله المكاشفات والتصرفات.
وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين، فإن قدماء المشائخ الذين كانوا فيكم، مثل الملقب بشيخ الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري وبعده الشيخ العارف القدوة عدي بن مسافر الأموي، ومن سلك سبيلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم، ورفع به منارهم.
والشيخ عدي قدس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين وأكابر المشائخ المتبعين، وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك. وله في الأمة صيت مشهور ولسان صدق مذكور، وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشائخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ الإمام الصالح أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي. [38] وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما.
وهؤلاء المشائخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم، وأعلى منارهم، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد، مع أنه لا بد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة، كأحاديث لا تثبت، ومقاييس لا تطرد ما يعرفه أهل البصيرة.
وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة، والفقه فيهما، ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس وعقيمها، مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء، وكثرة الآراء، وتغلظ الاختلاف والافتراق، وحصول العداوة والشقاق.
فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله: {وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [39] فإذا منَّ الله على الإنسان بالعلم والعدل أنقذه من هذا الضلال، وقد قال سبحانه: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [40] وقد قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}. [41]
وأنتم تعلمون أصلحكم الله أن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله ﷺ، في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات. وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ، الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان.
وذلك في دواوين الإسلام المعروفة؛ مثل: صحيحي البخاري ومسلم، وكتب السنن؛ مثل سنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وموطأ الإمام مالك، ومثل المسانيد المعروفة كمثل مسند الإمام أحمد وغيره. ويوجد في كتب التفاسير والمغازي وسائر كتب الحديث جملها وأجزائها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض. وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به، حتى حفظ الله الدين على أهله.
وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة مثل: حماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم في طبقتهم. ومثلها ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم في كتبهم.
ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد وأبي بكر الخلال وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني وأبي بكر الآجري وأبي الحسن الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي القاسم اللالكائي وأبي عبد الله بن بطة وأبي عمرو الطلمنكي وأبي نعيم الأصبهاني وأبي بكر البيهقي وأبي ذر الهروي، وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة.
وقد يروي كثير من الناس في الصفات، وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين، أحاديث كثيرة تكون مكذوبة، موضوعة على رسول الله ﷺ، وهي قسمان:
منها ما يكون كلامًا باطلا لا يجوز أن يقال، فضلا عن أن يضاف إلى النبي ﷺ.
والقسم الثاني من الكلام: ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض العلماء أو بعض الناس، ويكون حقًا. أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو مذهبًا لقائله، فيعزى إلى النبي ﷺ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث، مثل المسائل التي وضعها الشيخ أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري، وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي، وهي مسائل معروفة، عملها بعض الكذابين وجعل لها إسنادًا إلى رسول الله ﷺ، وجعلها من كلامه، وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى.
وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقًا لأصول السنة، ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع، مثل أول نعمة أنعم بها على عبده؛ فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة، والنزاع فيها لفظي لأن مبناها على أن اللذة التي يعقبها ألم، هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضا أشياء مرجوحة.
فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عمومًا، ولمن يدعي السنة خصوصًا.
فصل: (في أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه)
وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه. وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه، حتى أخرجه عن كثير من شرائعه، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه، حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة.
وأمر النبي ﷺ بقتال المارقين منه، فثبت عنه في الصحاح وغيرها، من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم وغير هؤلاء، أن النبي ﷺ ذكر الخوارج فقال: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». وفي رواية: «شر قتيل تحت أديم السماء، خير قتيل من قلتوه» وفي رواية: «لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوي لهم على لسان محمد ﷺ لَنَكِلُوا عن العمل». وزوى: أي قضى، ولنكلوا: أي لانقطعوا.
وهؤلاء لما خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم هو وأصحاب رسول الله ﷺ بأمر النبي ﷺ وتحضيضه على قتالهم، واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام.
وهكذا كل من فارق جماعة المسلمين، وخرج عن سنة رسول الله ﷺ وشريعته من أهل الأهواء المضِلَّة والبدع المخالفة.
ولهذا قاتل المسلمون أيضا الرافضة الذين هم شر من هؤلاء، وهم الذين يُكَفِّرون جماهير المسلمين؛ مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم، ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كافر، [42] ويكفرون من يقول إن الله يُرَى في الآخرة، أو يؤمن بصفات الله وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة، ويكفرون من خالفهم في بدعهم التي هم عليها. فإنهم يمسحون القدمين ولا يمسحون على الخف، ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم، ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر، ويقنتون في الصلوات الخمس، ويحرمون الفقاع وذبائح أهل الكتاب وذبائح من خالفهم من المسلمين؛ لأنهم عندهم كفار، ويقولون على الصحابة رضي الله عنهم أقوالا عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هنا، إلى أشياء أخر. فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله.
فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة حتى أمر النبي ﷺ بقتالهم، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام والسنة، حتى يدعي السنة من ليس من أهلها، بل قد مرق منها، وذلك بأسباب:
منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه، حيث قال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا الله إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِالله وَكِيلا}. [43] وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ}، [44] وقال النبي ﷺ: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» وهو حديث صحيح.
ومنها: التفرق والاختلاف الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز.
ومنها: أحاديث تروى عن النبي ﷺ، وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة، يسمعها الجاهل بالحديث فيصدق بها لموافقة ظنه وهواه.
وأضل الضلال اتباع الظن والهوى، كما قال الله تعالى في حق من ذمهم: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى}، [45] وقال في حق نبيه ﷺ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. [46]
فنزهه عن الضلال والغواية، اللذين هما الجهل والظلم، فالضال هو الذي لا يعلم الحق، والغاوي الذي يتبع هواه، وأخبر أنه ما ينطق عن هوى النفس، بل هو وحي أوحاه الله إليه، فوصفه بالعلم ونزهه عن الهوى.
وأنا أذكر جوامع من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف ممن ينتسب إلى السنة وقد مرق منها، وصار من أكابر الظالمين. وهي فصول:
الفصل الأول
أحاديث رووها في الصفات، زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام، مما نعلم باليقين القاطع أنها كذب وبهتان، بل كفر شنيع.
وقد يقولون من أنواع الكفر ما لا يروون فيه حديثًا؛ مثل حديث يروونه: "أن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق، يصافح الركبان ويعانق المشاة". وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله ﷺ، وقائله من أعظم القائلين على الله غير الحق، ولم يرو هذا الحديث أحد من علماء المسلمين أصلا، بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله ﷺ. وقال أهل العلم كابن قتيبة وغيره: هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار ليشينوا به على أهل الحديث، ويقولون: إنهم يروون مثل هذا.
وكذلك حديث آخر فيه: "أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشي أمام الحجيج وعليه جبة صوف". أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله، الذي لا يقوله من عرف الله ورسوله ﷺ.
وهكذا حديث فيه: "أن الله يمشي على الأرض، فإذا كان موضع خضرة قالوا: هذا موضع قدميه" ويقرؤون قوله تعالى: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [47] هذا أيضا كذب باتفاق العلماء. ولم يقل الله فانظر إلى آثار خطى الله، وإنما قال: {آثَارِ رَحْمَتِ الله} ورحمته هنا النبات.
وهكذا أحاديث في بعضها: أن محمدًا ﷺ رأى ربه في الطواف، وفي بعضها: أنه رآه وهو خارج من مكة، وفي بعضها: أنه رآه في بعض سكك المدينة إلى أنواع أُخر.
وكل حديث فيه أن محمدًا ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين، ولا رواه أحد منهم.
وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمدًا ﷺ هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدًا ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، وكانت عائشة رضي الله عنها وطائفة معها تنكر ذلك، ولم ترو عائشة رضي الله عنها في ذلك عن النبي ﷺ شيئا، ولا سألته عن ذلك. ولا نقل في ذلك عن الصديق رضي الله عنه كما يروونه ناس من الجهال: "أن أباها سأل النبي ﷺ فقال: نعم. وقال لعائشة: لا" فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء.
ولهذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره أنه اختلفت الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله هل يقال: إن محمدًا ﷺ رأى ربه بعيني رأسه؟ أو يقال: بعين قلبه. أو يقال: رآه ولا يقال: بعيني رأسه ولا بعين قلبه؟ على ثلاث روايات.
وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: «رأيت ربي في صورة كذا وكذا» يروى من طريق ابن عباس ومن طريق أم الطفيل وغيرهما، وفيه: أنه وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج؛ فإن هذا الحديث كان بالمدينة. وفي الحديث: أن النبي ﷺ نام عن صلاة الصبح ثم خرج إليهم، وقال: رأيت كذا وكذا، وهو من رواية من لم يصلِّ خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها، والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}. [48]
فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة، كما جاء مفسرًا في كثير من طرقه: أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج.
وقد اتفق المسلمون على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينيه في الأرض، وأن الله لم ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي ﷺ قط حديث فيه: أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: «إن الله يدنو عشية عرفة»، وفي رواية: «إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له ».
وثبت في الصحيح: أن الله يدنو عشية عرفة، وفي رواية: «إلى سماء الدنيا، فيباهي الملائكة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا، ما أراد هؤلاء؟ » وقد روي أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان، إن صح الحديث فإن هذا مما تكلم فيه أهل العلم.
وكذلك ما روى بعضهم: أن النبي ﷺ لما نزل من حراء تبدي له ربه على كرسي بين السماء والأرض؛ غلط باتفاق أهل العلم، بل الذي في الصحاح: «أن الذي تبدي له الملك الذي جاءه بحراء في أول مرة، وقال له: اقرأ. فقلت: لست بقارئ، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ: فقلت: لست بقارئ. فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} » فهذا أول ما نزل على النبي ﷺ.
ثم جعل النبي ﷺ يحدث عن فترة الوحي. قال: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض». رواه جابر رضي الله عنه في الصحيحين. فأخبر أن الملك الذي جاءه بحراء رآه بين السماء والأرض، وذكر أنه رعب منه، فوقع في بعض الروايات الملَك فظن القارئ أنه الملك، وأنه الله، وهذا غلط وباطل.
وبالجملة إن كل حديث فيه: «أن النبي ﷺ رأى ربه بعينيه في الأرض» وفيه: «أنه نزل له إلى الأرض» وفيه: «أن رياض الجنة من خطوات الحق» وفيه: «أنه وطئ على صخرة بيت المقدس» كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين من أهل الحديث وغيرهم.
وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينيه قبل الموت فدعواه باطل باتفاق أهل السنة والجماعة؛ لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت، وثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ ؛ أنه لما ذكر الدجال قال: «واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت».
وكذلك روي هذا عن النبي ﷺ من وجوه أخر؛ يحذر أمته فتنة الدجال، وبين لهم أن أحدًا منهم لن يرى ربه حتى يموت، فلا يظنن أحد أن هذا الدجال الذي رآه هو ربه.
ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ومشاهدتها وتجلياتها هو على مراتب كثيرة؛ قال النبي ﷺ لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه. ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق.
وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضا من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام، فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم، وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه، فهذا كله يقع في الدنيا.
وربما غلب أحدهم ما يشهده قلبه وتجمعه حواسه، فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام، وربما علم في المنام أنه منام.
فهكذا من العباد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشهود بحواسه، فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك، وكل من قال من العباد المتقدمين أو المتأخرين: أنه رأى ربه بعيني رأسه، فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان.
نعم، رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضا للناس في عرصات القيامة، كما تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ حيث قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب، وكما ترون القمر ليلة البدر صحوًا ليس دونه سحاب». وقال ﷺ: «جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن»، وقال ﷺ: «إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار. فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة».
وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح، وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق عليها أهل السنة والجماعة، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية، ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم؛ الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة.
ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسوله ﷺ في الآخرة، وبين تصديق الغالية، بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل.
وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا هم ضلال، كما تقدم، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص؛ إما بعض الصالحين، أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم، عظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى ابن مريم.
بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان، ويقول للناس: أنا ربكم. ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويقول للخَرِبَة: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها. وهذا هو الذي حذر منه النبي ﷺ أمته، وقال: « ما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال، وقال: «إذا جلس أحدكم في الصلاة فليستعذ بالله من أربع؛ ليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال».
فهذا ادَّعَى الربوبية وأتى بشبهات فَتَنَ بها الخلق، حتى قال فيه النبي ﷺ: «إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت»، فذكر لهم علامتين ظاهرتين يعرفهما جميع الناس؛ لعلمه ﷺ بأن من الناس من يضل فيجوز أن يرى ربه في الدنيا في صورة البشر، كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك، وهؤلاء قد يسمون الحلولية والاتحادية. وهم صنفان:
قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء؛ كما يقوله النصارى في المسيح عليه السلام والغالية في علي رضي الله عنه ونحوه؛ وقوم في أنواع من المشائخ، وقوم في بعض الملوك، وقوم في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى.
وصنف يعمون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات وغيرها كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية: كأصحاب ابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني، والبلياني، وغيرهم.
ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب أن الله سبحانه خالق العالمين، ورب السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم، والخلق جميعهم عباده وهم فقراء إليه.
وهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، ومع هذا فهو معهم أينما كانوا؛ كما قال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. [49]
فهؤلاء الضلال الكفار؛ الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه! وربما يعين أحدهم آدميًا؛ إما شخصًا، أو صبيًا، أو غير ذلك، ويزعم أنه كلمهم، يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفارًا؛ إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: {إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}. [50] فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفرهم وعظم كفرهم، بل الذين قالوا: إنه اتخذ ولدًا حتى ٍقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شيئا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [51] فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ هذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن عليًا رضي الله عنه أو غيره من أهل البيت هو الله. وهؤلاء هم الزنادقة؛ الذين حرقهم علي رضي الله عنه بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثًا ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفقت الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم؛ لكن ابن عباس رضي الله عنهما كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء.
فصل في التحذير من الغلو في بعض المشائخ
وكذلك الغلو في بعض المشائخ: إما في الشيخ عدي ويونس القتي أو الحلاج وغيرهم، بل الغلو في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونحوه، بل الغلو في المسيح عليه السلام ونحوه.
فكل من غلا في حي أو في رجل صالح؛ كمثل علي رضي الله عنه أو عدي أو نحوه، أو فيمن يعتقد فيه الصلاح، كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القتي ونحوهم، وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى؛ مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال؛ التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلهًا آخر.
والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى مثل: الشمس والقمر والكواكب، والعزير والمسيح والملائكة، واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ويغوث ويعوق ونسر، أو غير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق؛ أو أنها تنزل المطر، أو أنها تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم، ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله.
فأرسل الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}. [52]
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة، فقال الله لهم: هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إلىّ كما تتقربون، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه}. [53] فأخبر سبحانه أن ما يدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة في الملك، ولا شرك في الملك، وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به، وأنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه. وقال تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شيئا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى}، [54] وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ الله شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شيئا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، [55] وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ [ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ]} الآية، [56] وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، فقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} الزخرف: 45 وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}. [57] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}. [58]
وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده»، وقال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد»، ونهى عن الحلف بغير الله فقال: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وقال: «لا تُطْرُوني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».
ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق، كالكعبة ونحوها.
ونهى النبي ﷺ عن السجود له، ولما سجد بعض أصحابه نهاه عن ذلك، وقال: «لا يصلح السجود إلا لله»، وقال: «لو كنت آمرا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، وقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «أرأيت لو مررت بقبري، أكنت ساجدًا له؟ » قال: لا. قال: «فلا تسجد لي».
ونهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا. قالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا.
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس: « إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني»؛ ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المسجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول: الصلاة عندها باطلة.
والسنة في زيارة قبور المسلمين نظير الصلاة عليهم قبل الدفن، قال الله تعالى في كتابه عن المنافقين: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ}. [59] فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يُصَلَّى عليهم، ويقام على قبورهم.
وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم».
وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها، قال الله تعالى في كتابه: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}، [60] قال طائفة من السلف: كانت هذه أسماء قوم صالحين، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها.
ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها؛ لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
وكذلك الطواف والصلاة والاجتماع للعبادات، إنما تقصد في بيوت الله، وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيدًا، كما قال ﷺ: «لا تتخذوا بيتي عيدًا». كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، وكما قال تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}. [61]
ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي {الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}. [62] وقال ﷺ: « من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة». والإله: الذي يؤلِّهه القلب عبادة له، واستعانة، ورجاء له، وخشية، وإجلالا، وإكرامًا.
فصل في الاقتصاد في السنة واتباعها
ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت - بلا زيادة ولا نقصان - مثل الكلام في القرآن، وسائر الصفات.
فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. هكذا قال غير واحد من السلف. روى عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك.
والقرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره، وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم، فإن الكلام لمن قاله مبتدئًا لا لمن قاله مبلغًا مؤديًا، قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}، [63] وهذا القرآن في المصاحف، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}، [64] وقال تعالى: {يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}، [65] وقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}. [66]
والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله. وإعراب الحروف هو من تمام الحروف، كما قال النبي ﷺ: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات» وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
وإذا كتب المسلمون مصحفًا، فإن أحبوا ألا ينقطوه ولا يشكلوه جاز ذلك، كما كان الصحابة يكتبون المصاحف من غير تنقيط ولا تشكيل؛ لأن القوم كانوا عربًا لا يلحنون. وهكذا هي المصاحف التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار في زمن التابعين.
ثم فشا اللحن فنقطت المصاحف وشكلت بالنقط الحمر، ثم شكلت بمثل خط الحروف، فتنازع العلماء في كراهة ذلك. وفيه خلاف عن الإمام أحمد رحمه الله وغيره من العلماء، قيل: يكره ذلك لأنه بدعة. وقيل: لا يكره للحاجة إليه. وقيل: يكره النقط دون الشكل لبيان الإعراب. والصحيح أنه لا بأس به.
والتصديق بما ثبت عن النبي ﷺ: أن الله يتكلم بصوت وينادي آدم عليه السلام بصوت، إلى أمثال ذلك من الأحاديث. فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة.
وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، حيث تلى وحيث كتب. فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن: إنها مخلوقة؛ لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل، ولا يقال: غير مخلوقة؛ لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد.
ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، بل أنكروا على من قال: لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق.
وأما من قال: إن المداد قديم؛ فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة، قال الله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}. [67] فأخبر أن المداد يكتب به كلماته.
وكذلك من قال: ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد وورق، أو حكاية وعبارة، فهو مبتدع ضال، بل القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو ما بين الدفتين. والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء.
وكذلك من زاد على السنة فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة، فهو مبتدع ضال. كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا بصوت، فإنه أيضا مبتدع منكر للسنة.
وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم، فهو ضال. كمن قال: ليس في المصاحف كلام الله.
وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون: إن الورق، والجلد، والوتد، وقطعة من الحائط كلام الله، فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه. هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي، وكلاهما خارج عن السنة والجماعة.
وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة بدعة نفيًا وإثباتًا، وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل؛ فإن من قال: إن المداد الذي تنقط به الحروف ويشكل به قديم، فهو ضال جاهل، ومن قال: إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن، فهو ضال مبتدع.
بل الواجب أن يقال: هذا القرآن العربي هو كلام الله، وقد دخل في ذلك حروفه بإعرابها كما دخلت معانيه، ويقال: ما بين اللوحين جميعه كلام الله. فإن كان المصحف منقوطًا مشكولا أطلق على ما بين اللوحين جميعه أنه كلام الله. وإن كان غير منقوط ولا مشكول كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة كان أيضا ما بين اللوحين هو كلام الله. فلا يجوز أن تلقي الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له، ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه.
فصل في وجوب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة
وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة رضي الله عنهم فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه ﷺ من السابقين والتابعين لهم بإحسان، وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وذكرهم في آيات من كتابه، مثل قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، [68] وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}. [69]
وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفه.
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنهما. واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر رضي الله عنهما وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكًا»، وقال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين.
وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم؛ ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثير، ليس هذا موضعه.
وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب. وهم كانوا مجتهدين؛ إما مصيبين لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم، وما كان لهم من السيئات وقد سبق لهم من الله الحسنى فإن الله يغفرها لهم؛ إما بتوبة أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو غير ذلك، فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال ﷺ: «خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم» وهذه خير أمة أخرجت للناس. [70]
ونعلم مع ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق». وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق، وأن عليًا رضي الله عنه أقرب إلى الحق.
وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة؛ كسعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما رضي الله عنهم، فاتبعوا النصوص التي سمعوها في ذلك عن القتال في الفتنة، وعلى ذلك أكثر أهل الحديث.
وكذلك آل بيت رسول الله ﷺ، لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ، فقال لنا: قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وآل محمد هم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء رحمهم الله فإن النبي ﷺ قال: «إن الصدقة لا تَحِلُّ لمحمد ولا لآل محمد» وقد قال الله تعالى في كتابه: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. [71] وحرم الله عليهم الصدقة، لأنها أوساخ الناس، وقد قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق. وفي المسانيد والسنن أن النبي ﷺ قال للعباس لما شكا إليه جفوة قوم لهم قال: «والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي».
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم».
وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده، صار قوم ممن يحب عثمان ويغلو فيه ينحرف عن علي رضي الله عنه مثل كثير من أهل الشام، ممن كان إذ ذاك يسب عليًا رضي الله عنه ويبغضه.
وقوم ممن يحب عليًا رضي الله عنه ويغلو فيه ينحرف عن عثمان رضي الله عنه مثل كثير من أهل العراق، ممن كان يبغض عثمان ويسبه رضي الله عنه.
ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك، حتى سبوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وزاد البلاء بهم حينئذ.
والسنة محبة عثمان وعلي جميعا، وتقديم أبي بكر وعمر عليهما رضي الله عنهم لما خصهما الله به من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعليا جميعًا. وقد نهى الله في كتابه عن التفرق والتشتت، وأمر بالاعتصام بحبله.
فهذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله؛ فإن السنة مبناها على العلم والعدل، والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فالرافضة لما كانت تسب الصحابة صار العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة، ثم كفرت الصحابة وقالت عنهم أشياء، قد ذكرنا حكمهم فيها في غير هذا الموضع.
ولم يكن أحد إذ ذاك يتكلم في يزيد بن معاوية ولا كان الكلام فيه من الدين، ثم حدثت بعد ذلك أشياء، فصار قوم يظهرون لعنة يزيد بن معاوية. وربما كان غرضهم بذلك التطرق إلى لعنة غيره، فكره أكثر أهل السنة لعنة أحد بعينه، فسمع بذلك قوم ممن كان يتسنن، فاعتقد أن يزيد كان من كبار الصالحين وأئمة الهدى.
وصار الغلاة فيه على طرفي نقيض، هؤلاء يقولون: إنه كافر زنديق، وإنه قتل ابن بنت رسول الله ﷺ، وقتل الأنصار وأبناءهم بالحرة ليأخذ بثأر أهل بيته الذين قتلوا كفارًا، مثل جده لأمه عتبة بن ربيعة، وخاله الوليد، وغيرهما، ويذكرون عنه من الاشتهار بشرب الخمر وإظهار الفواحش أشياء.
وأقوام يعتقدون أنه كان إماما عادلا هاديًا مهديًا، وأنه كان من الصحابة أو أكابر الصحابة، وأنه كان من أولياء الله تعالى. وربما اعتقد بعضهم أنه كان من الأنبياء! ويقولون: من وقف في يزيد وقفه الله على نار جهنم، ويروون عن الشيخ حسن بن عدي: أنه كان كذا وكذا وليًا، ومن وقفوا فيه وقفوا على النار؛ لقولهم في يزيد. وفي زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة نظمًا ونثرًا. وغلوا في الشيخ عدي وفي يزيد بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ عدي الكبير قدس الله روحه فإن طريقته كانت سليمة لم يكن فيها من هذه البدع، وابتلوا بروافض عادوهم، وقتلوا الشيخ حسنا، وجرت فتن لا يحبها الله ولا رسوله.
وهذا الغلو في يزيد من الطرفين، خلاف لما أجمع عليه أهل العلم والإيمان.
فإن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ولم يدرك النبي ﷺ، ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء، ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح، وكان من شبان المسلمين، ولا كان كافرًا ولا زنديقًا، وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم، ولم يكن مظهرًا للفواحش كما يحكي عنه خصومه.
وجرت في إمارته أمور عظيمة:
أحدها: مقتل الحسين رضي الله عنه وهو لم يأمر بقتل الحسين، ولا أظهر الفرح بقتله، ولا نكت بالقضيب على ثناياه رضي الله عنه ولا حمل رأس الحسين رضي الله عنه إلى الشام، لكن أمر بمنع الحسين رضي الله عنه وبدفعه عن الأمر، ولو كان بقتاله، فزاد النواب على أمره، وحض الشمرذي الجيوش على قتله لعبيد الله بن زياد، فاعتدى عليه عبيد الله بن زياد، فطلب منهم الحسين رضي الله عنه أن يجيء إلى يزيد، أو يذهب إلى الثغر مرابطًا، أو يعود إلى مكة فمنعوه رضي الله عنه إلا أن يستأسر لهم، وأمر عمر بن سعد بقتاله فقتلوه مظلومًا له ولطائفة من أهل بيته رضي الله عنهم.
وكان قتله رضي الله عنه من المصائب العظيمة، فإن قتل الحسين وقتل عثمان قبله كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة، وقَتَلَتهُمَا من شرار الخلق عند الله.
ولما قدم أهلهم رضي الله عنهم على يزيد بن معاوية أكرمهم وسيرهم إلى المدينة، وروى عنه أنه لعن ابن زياد على قتله. وقال: كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، لكنه مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له، والأخذ بثأره كان هو الواجب عليه، فصار أهل الحق يلومونه على تركه للواجب مضافًا إلى أمور أخرى. وأما خصومه فيزيدون عليه من الفرية أشياء.
وأما الأمر الثاني: فإن أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته وأخرجوا نوابه وأهله، فبعث إليهم جيشًا، وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثا، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثا يقتلون وينهبون، ويفتضون الفروج المحرمة. ثم أرسل جيشًا إلى مكة المشرفة، فحاصروا مكة، وتوفي يزيد وهم محاصرون مكة، وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره.
ولهذا كان الذي عليه معتقد أهل السنة وأئمة الأمة: أنه لا يسب ولا يحب. قال صالح ابن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إنهم يحبون يزيد. قال: يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت، فلماذا لا تلعنه؟ قال: يا بني، ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا؟
وروى عنه: قيل له: أتكتب الحديث عن يزيد بن معاوية؟ فقال: لا، ولا كرامة، أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟
فيزيد عند علماء أئمة المسلمين ملك من الملوك، لا يحبونه محبة الصالحين وأولياء الله، ولا يسبونه، فإنهم لا يحبون لعنة المسلم المعين؛ لما روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا كان يدعى حمارًا، وكان يكثر شرب الخمر، وكان كلما أتى به إلى النبي ﷺ ضربه. فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ﷺ. فقال النبي ﷺ: «لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله».
ومع هذا فطائفة من أهل السنة يجيزون لعنه؛ لأنهم يعتقدون أنه فعل من الظلم ما يجوز لعن فاعله.
وطائفة أخرى ترى محبته؛ لأنه مسلم تولى على عهد الصحابة، وبايعه الصحابة. ويقولون: لم يصح عنه ما نقل عنه، وكانت له محاسن أو كان مجتهدًا فيما فعله.
والصواب هو ما عليه الأئمة: من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن. ومع هذا فإن كان فاسقًا أو ظالمًا فالله يغفر للفاسق والظالم، لا سيما إذا أتى بحسنات عظيمة. وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له» وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية، وكان معه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
وقد يشتبه يزيد بن معاوية بعمه يزيد بن أبي سفيان، فإن يزيد بن أبي سفيان كان من الصحابة وكان من خيار الصحابة، وهو خير آل حرب. وكان أحد أمراء الشام الذين بعثهم أبو بكر رضي الله عنه في فتوح الشام، ومشى أبو بكر في ركابه يوصيه مشيعًا له، فقال له: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل. فقال: لستُ براكب ولستَ بنازل، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله. فلما توفي بعد فتوح الشام في خلافة عمر، ولى عمر رضي الله عنه مكانه أخاه معاوية، وولد له يزيد في خلافة عثمان بن عفان، وأقام معاوية بالشام إلى أن وقع ما وقع.
فالواجب الاقتصار في ذلك والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين به، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة؛ فإنه بسبب ذلك اعتقد قوم من الجهال أن يزيد بن معاوية من الصحابة، وأنه من أكابر الصالحين وأئمة العدل، وهو خطأ بين.
فصل في أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان
وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله؛ مثل أن يقال للرجل: أنت شكيلي، أو قرفندي؛ فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ، ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأئمة لا شكيلي ولا قرفندي. والواجب على المسلم إذا سُئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكيلي ولا قرفندي، بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله.
وقد روينا عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال: أنت على ملة علي، أو ملة عثمان؟ فقال: لست على ملة علي، ولا على ملة عثمان، بل أنا على ملة رسول الله ﷺ، وكذلك كان كل من السلف يقولون: كل هذه الأهواء في النار ويقول أحدهم: ما أبالي أي النعمتين أعظم؟ على أن هداني الله للإسلام، أو أن جنبني هذه الأهواء، والله تعالى قد سمانا في القرآن: المسلمين المؤمنين عباد الله، فلا نعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان.
بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها، مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخ، كالقادري، والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل، كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري: فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان.
وأولياء الله الذين هم أولياؤه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، فقد أخبر سبحانه أن أولياءه هم المؤمنون المتقون، وقد بين المتقين في قوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُربي وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [72] والتقوى هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهي الله عنه.
وقد أخبر النبي ﷺ عن حال أولياء الله، وما صاروا به أولياء، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه».
فقد ذكر في هذا الحديث أن التقرب إلى الله تعالى على درجتين: إحداهما: التقرب إليه بالفرائض. والثانية: هي التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض.
فالأولى درجة المقتصدين الأبرار أصحاب اليمين. والثانية درجة السابقين المؤمنين، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}. [73]
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يمزج لأصحاب اليمين مزجًا، ويشربه المقربون صرفًا.
وقد ذكر الله هذا المعنى في عدة مواضع من كتابه، فكل من آمن بالله ورسوله واتقى الله، فهو من أولياء الله.
والله سبحانه قد أوجب موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأوجب عليهم معاداة الكافرين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ}. [74]
فقد أخبر سبحانه أن ولى المؤمن هو الله ورسوله وعباده المؤمنين، وهذا عام في كل مؤمن موصوف بهذه الصفة، سواء كان من أهل نسبة أو بلدة أو مذهب أو طريقة أو لم يكن، وقال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}. [75] وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ}، [76] وقال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} إلى قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِين َإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. [77]
وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وفي الصحاح أيضا أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه، وفي الصحاح أيضا أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وقال ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يظلمه» وأمثال هذه النصوص في الكتاب والسنة كثيرة.
وقد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعلهم إخوة، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين، وأمرهم سبحانه بالائتلاف ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، فقال: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}. [78] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله}. [79]
فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى، بلا برهان من الله تعالى. وقد برأ الله نبيه ﷺ ممن كان هكذا.
فهذا فعل أهل البدع؛ كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم.
وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله. وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه.
وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من أخره الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضى الله به ورسوله، وأن يكون المسلمون يدًا واحدة، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة؟ ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول ﷺ والمؤمنين: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. [80] وثبت في الصحيح أن الله قال: «قد فعلت».
لا سيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام، مثل أن يكون مثلكم على مذهب الشافعي أو منتسبًا إلى الشيخ عدي، ثم بعد هذا قد يخالف في شيء، وربما كان الصواب معه، فكيف يستحل عرضه ودمه أو ماله؟ مع ما قد ذكر الله تعالى من حقوق المسلم والمؤمن؟
وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ؟
وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشائخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها؛ وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء}. [81]
فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به، وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.
وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} إلى قوله {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. [82] فمن الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة، ومن النهي عن المنكر: إقامة الحدود على من خرج من شريعة الله تعالى.
فمن اعتقد في بشر أنه إله، أو دعا ميتًا، أو طلب منه الرزق والنصر والهداية، وتوكل عليه أو سجد له فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
ومن فضَّل أحدًا من المشائخ على النبي ﷺ، أو اعتقد أن أحدًا يستغني عن طاعة رسول الله ﷺ استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وكذلك من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ، كما كان الخضر مع موسى عليه السلام فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لأن الخضر لم يكن من أمة موسى عليه السلام ولا كان يجب عليه طاعته، بل قال له: إني على علم من علم الله، علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وكان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، كما قال نبينا ﷺ: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، إنسهم وجنهم. فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته، فهو كافر يجب قتله.
وكذلك من كَفَّر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم، ببدعة ابتدعها ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله، فإنه يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره، ولو بالقتل أو القتال، فإنه إذا عوقب المعتدون من جميع الطوائف، وأكرم المتقون من جميع الطوائف، كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضى الله ورسوله ﷺ، وتصلح أمر المسلمين.
ويجب على أولى الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشائخها أن يقوموا على عامتهم، ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر؛ فيأمرونهم بما أمر الله به ورسوله، وينهونهم عما نهى الله عنه ورسوله ﷺ.
فالأول: مثل شرائع الإسلام: وهي الصلوات الخمس في مواقيتها، وإقامة الجمعة والجماعات من الواجبات، والسنن الراتبات؛ كالأعياد، وصلاة الكسوف، والاستسقاء، والتراويح، وصلاة الجنائز، وغير ذلك، وكذلك الصدقات المشروعة، والصوم المشروع، وحج البيت الحرام، ومثل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومثل الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ومثل سائر ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة، ومثل إخلاص الدين لله، والتوكل على الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجاء لرحمة الله والخشية من عذابه، والصبر لحكم الله، والتسليم لأمر الله، ومثل صدق الحديث، والوفاء بالعهود، وأداء الأمانات إلى أهلها، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتعاون على البر والتقوى، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين، وابن السبيل والصاحب والزوجة والمملوك، والعدل في المقال والفعال، ثم الندب إلى مكارم الأخلاق، مثل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، قال الله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}. [83]
وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، فأعظمه الشرك بالله، وهو أن يدعو مع الله إلها آخر؛ إما الشمس وإما القمر أو الكواكب، أو ملكًا من الملائكة، أو نبيًا من الأنبياء، أو رجلًا من الصالحين، أو أحدًا من الجن، أو تماثيل هؤلاء أو قبورهم، أو غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى، أو يستغاث به أو يسجد له، فكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله.
وقد حرم الله قتل النفس بغير حقها، وأكل أموال الناس بالباطل؛ إما بالغصب وإما بالربا أو الميسر، كالبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول الله ﷺ، وكذلك قطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال والميزان، والإثم والبغي بغير الحق.
وكذلك مما حرمه الله تعالى: أن يقول الرجل على الله ما لا يعلم؛ مثل أن يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحتها، أو يصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة من علم عن رسول الله ﷺ، سواء كانت من صفات النفي والتعطيل، مثل قول الجهمية: إنه ليس فوق العرش ولا فوق السموات، وأنه لا يرى في الآخرة، وأنه لا يتكلم ولا يحب، ونحو ذلك مما كذبوا به الله ورسوله، أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل، مثل من يزعم أنه يمشي في الأرض أو يجالس الخلق، أو أنهم يرونه بأعينهم أو أن السموات تحويه وتحيط به، أو أنه سار في مخلوقاته، إلى غير ذلك من أنواع الفرية على الله.
وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله ﷺ، كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله}. [84] فإن الله شرع لعباده المؤمنين عبادات، فأحدث لهم الشيطان عبادات ضاهاها بها، مثل أنه شرع لهم عبادة الله وحده لا شريك له، فشرع لهم شركاء، وهي عبادة ما سواه والإشراك به. وشرع لهم الصلوات الخمس وقراءة القرآن فيها والاستماع له والاجتماع لسماع القرآن خارج الصلاة أيضا، فأول سورة أنزلها على نبيه ﷺ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، [85] أمر في أولها بالقراءة وفي آخرها بالسجود، بقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [86]
ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة قراءة القرآن، وأعظم الأفعال السجود لله وحده لا شريك له، وقال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}. [87] وقال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. [88]
وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى رضي الله عنهما: ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم يستمعون، ومر النبي ﷺ بأبي موسي رضي الله عنه وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، فقال: «يا أبا موسى، مررت بك البارحة فجعلت أستمع لقراءتك» فقال: «لو علمت لحَبَّرتُه لك تحبيرًا. وقال: «لله أشد أذنا» أي استماعا «إلى الرجل يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القِينَةِ إلى قينته».
وهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر المشائخ، كمعروف الكرخي والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني، ونحوهم. وهو سماع المشائخ المتأخرين الأكابر، كالشيخ عبد القادر والشيخ عدي بن مسافر والشيخ أبي مدين، وغيرهم من المشائخ رحمهم الله.
وأما المشركون، فكان سماعهم كما ذكره الله تعالى في كتابه بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً}. [89] قال السلف: المكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق باليد. فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون يتخذون ذلك عبادة وصلاة، فذمهم الله على ذلك، وجعل ذلك من الباطل الذي نهى عنه.
فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله، فقد ضاهى هؤلاء في بعض أمورهم، وكذلك لم تفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ، ولا فعله أكابر المشائخ.
وأما سماع الغناء على وجه اللعب، فهذا من خصوصية الأفراح للنساء والصبيان كما جاءت به الآثار؛ فإن دين الإسلام واسع لا حرج فيه.
وعماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات، ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة.
وهي أول ما أوجبه الله من العبادات، والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج، وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته وقت فراق الدنيا، جعل يقول: «الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم» وهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله، وآخر ما يفقد من الدين، فإذا ذهبت ذهب الدين كله، وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين.
قال النبي ﷺ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذِرْوَة سِنَامه الجهاد في سبيل الله»، وقد قال الله في كتابه: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}. [90]
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره: إضاعتها: تأخيرها عن وقتها، ولو تركوها كانوا كفارًا. وقال تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى}. [91] والمحافظة عليها: فعلها في أوقاتها، وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}، [92] وهم الذين يؤخرونها حتى يخرج الوقت.
وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل، ولا تأخير صلاة الليل إلى النهار، لا لمسافر ولا لمريض ولا غيرهما. لكن يجوز عند الحاجة أن يجمع المسلم بين صلاتي النهار وهي الظهر والعصر في وقت إحداهما، ويجمع بين صلاتي الليل وهي المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وذلك لمثل المسافر والمريض وعند المطر، ونحو ذلك من الأعذار.
وقد أوجب الله على المسلمين أن يصلوا بحسب طاقتهم، كما قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ} [93] فعلى الرجل أن يصلي بطهارة كاملة وقراءة كاملة، وركوع وسجود كامل، فإن كان عادمًا للماء، أو يتضرر باستعماله لمرض أو برد أو غير ذلك، وهو محدث أو جنب، يتيمم الصعيد الطيب، وهو التراب. يمسح به وجهه ويديه ويصلي، ولا يؤخرها عن وقتها باتفاق العلماء.
وكذلك إذا كان محبوسًا أو مقيدًا أو زَمِنًا أو غير ذلك، صلى على حسب حاله، وإذا كان بإزاء عدوه صلى أيضا صلاة الخوف، قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} إلى قوله: {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} إلى قوله: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}. [94]
ويجب على أهل القدرة من المسلمين أن يأمروا بالصلاة كل أحد من الرجال والنساء حتى الصبيان. قال النبي ﷺ: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع».
والرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس، أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. فمن العلماء من يقول: يكون مرتدًا كافرًا لا يصلي عليه ولا يدفن بين المسلمين، ومنهم من يقول: يكون كقاطع الطريق وقاتل النفس، والزاني المحصن.
وأمر الصلاة عظيم شأنها أن تذكر هاهنا، فإنها قوام الدين وعماده، وتعظيمه تعالى لها في كتابه فوق جميع العبادات؛ فإنه سبحانه يخصها بالذكر تارة، ويقرنها بالزكاة تارة، وبالصبر تارة، وبالنسك تارة، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}. [95] وقوله: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}، [96] وقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، [97] وقوله: {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [98] وتارة يفتتح بها أعمال البر ويختمها بها؛ كما ذكره في سورة سأل سائل وفي أول سورة. [99] قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. [100]
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
هامش
[المؤمنون: 1-11]
تصنيف:
الرسالة السنية إلى الطائفة العدوية
----------------------


[الأنبياء: 25]
[النحل: 36]
[الزخرف: 45]
[الشورى: 13]
[المؤمنون: 51، 52]
[البقرة: 136]
[الشورى: 15]
[البقرة: 285 286]
[البقرة: 62]
[النساء: 113]
[آل عمران: 164]
[الأحزاب: 34]
[التوبة: 60]
[النحل: 36]
[فاطر: 24]
[النساء: 80]
[النساء: 64]
[آل عمران: 31]
[النساء: 65]
[آل عمران: 103]
[الأنعام: 159]
[آل عمران: 105]
[البينة: 5]
[الأنعام: 153]
[الفاتحة: 6، 7]
[آل عمران: 79، 80]
[البقرة: 142]
[البقرة: 91]
[التوبة: 31]
[المائدة: 1]
[مريم: 93-95]
[النساء: 160]
[آل عمران: 50]
[التوبة: 29]
[ الأعراف: 156، 157]
[الأنعام: 148]
[ آل عمران: 85]
عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي، أبو الفرج شيخ الشام في وقته، حنبلي أصله من شيراز، تفقه ببغداد، وسكن بيت المقدس واستقر في دمشق فنشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ومن مؤلفاته الإيضاح، والجواهر، وتوفي بدمشق. ]
[الأحزاب: 27]
[سورة العصر]
[السجدة: 24]
[قال المجلسي: والحاصل أن المخالفين ليسوا من أهل الجنان ولا من أهل المنزلة بين الجنة والنار، وهي الأعراف، بل هم مخلدون في النار. بحار الأنوار: 8/ 360 – 361.]
[النساء: 171]
[المائدة: 77]
[النجم: 23]
[النجم: 1-4]
[الروم: 50]
[الإسراء: 1]
[الحديد: 4]
[المائدة: 72]
[مريم: 88 93]
[الإسراء: 56، 57]
[سبأ: 22، 23]
[النجم: 26]
[الزمر: 43، 44]
[يونس: 18]
[النحل: 36]
[الأنبياء: 25]
[التوبة: 84]
[نوح: 23]
[النساء: 48]
[البقرة: 255]
[التوبة: 6]
[البروج: 21، 22]
[البينة: 2، 3]
[الواقعة: 77، 78]
[الكهف: 109]
[الفتح: 29]
[الفتح: 18]
[{كنتم خير أمة أخرجت للناس}]
[الأحزاب: 33]
[البقرة: 177]
[المطففين: 22 26]
[المائدة: 51-56]
[التوبة: 71]
[الأنفال: 72 75]
[الحجرات: 9، 10]
[آل عمران: 103]
[الأنعام: 159]
[البقرة: 286]
[المائدة: 14]
[آل عمران: 102- 104]
[الشورى: 40 43]
[الشورى: 21]
[العلق: 1]
[العلق: 19]
[الإسراء: 78]
[الأعراف: 204]
[الأنفال: 35]
[مريم: 59]
[البقرة: 238]
[الماعون: 4، 5]
[التغابن: 16]
[النساء: 101-103]
[البقرة: 43، 83، 110]
[البقرة: 45]
[الكوثر: 2]
[الأنعام: 162، 163]
[المؤمنون]

في فبراير 12, 2022 ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

مجموع الفتاوى/المجلد السادس/رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم

مجموع الفتاوى/المجلد السادس/رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم ابن تيمية            
رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم
قال شيخ الإسلام في رسالته إلى أهل البحرين واختلافهم في صلاة الجمعة:
والذي أوجب هذا: أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم، حتي ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة، وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في رؤية الكفار ربهم، وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد، فالأمر في ذلك خفيف.
وإنما المهم الذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عَرْصة [1] القيامة وبعد ما يدخلون الجنة، على ما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ عند العلماء بالحديث، فإنه أخبر ﷺ: «أنا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر والشمس عند الظهيرة، لا يضام في رؤيته».
ورؤيته سبحانه هي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، وإن كانوا في الرؤية على درجات على حسب قربهم من الله ومعرفتهم به.
والذي عليه جمهور السلف: أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم في ذلك عرف ذلك، كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر.
والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة، قد دون العلماء فيها كتبًا مثل: كتاب الرؤية للدارقطني، ولأبي نعيم، وللآجري، وذكرها المصنفون في السنة كابن بطة، واللالكَائي، وابن شاهين، وقبلهم عبد الله بن أحمد بن حنبل، وحنبل بن إسحاق، والخلال، والطبراني، وغيرهم. وخرجها أصحاب الصحيح والمساند والسنن وغيرهم.
فأما مسألة رؤية الكفار، فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها فيما بلغنا بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم من العلماء، وتكلم فيها آخرون، فاختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، مع أني ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها؛ إذ في الفرق الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة.
والكلام فيها قريب من الكلام في مسألة محاسبة الكفار: هل يحاسبون أم لا؟ هي مسألة لا يكفر فيها بالاتفاق، والصحيح أيضا ألا يضيق فيها ولا يهجر، وقد حكى عن أبي الحسن بن بشار أنه قال: لا يصلي خلف من يقول: إنهم يحاسبون. والصواب الذي عليه الجمهور: أنه يصلى خلف الفريقين، بل يكاد الخلاف بينهم يرتفع عند التحقيق؛ مع أنه قد اختلف فيها أصحاب الإمام أحمد، وإن كان أكثرهم يقولون: لا يحاسبون، واختلف فيها غيرهم من أهل العلم وأهل الكلام.
وذلك أن الحساب قد يراد به الإحاطة بالأعمال وكتابتها في الصحف، وعرضها على الكفار، وتوبيخهم على ما عملوه، وزيادة العذاب ونقصه بزيادة الكفر ونقصه، فهذا الضرب من الحساب ثابت بالاتفاق.
وقد يراد بالحساب وزن الحسنات بالسيئات؛ ليتبين أيهما أرجح، فالكافر لا حسنات له توزن بسيئاته؛ إذ أعماله كلها هابطة، وإنما توزن لتظهر خفة موازينه لا ليتبين رجحان حسنات له. وقد يراد بالحساب: أن الله هل هو الذي يكلمهم أم لا؟ فالقرآن والحديث يدلان على أن الله يكلمهم تكليم توبيخ وتقريع وتبكيت، لا تكليم تقريب وتكريم ورحمة، وإن كان من العلماء من أنكر تكليمهم جملة.
والأقوال الثلاثة في رؤية الكفار:
أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر للكفر ولا المسر له، وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين، وعليه يدل عموم كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغُبَّرات [2] من أهل الكتاب وذلك في عَرْصَة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك، وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أئمة أهل السنة، وقد ذكر القاضي أبو يعلى نحوه في حديث إتيانه سبحانه وتعالى لهم في الموقف الحديث المشهور.
الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب كاللص إذا رأى السلطان ثم يحتجب عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم، وهذا قول أبي الحسن بن سالم وأصحابه وقول غيرهم، وهم في الأصول منتسبون إلى الإمام أحمد بن حنبل، وأبي سهل بن عبد الله التستري.
وهذا مقتضى قول من فسر اللقاء في كتاب الله بالرؤية؛ إذ طائفة من أهل السنة منهم أبو عبد الله بن بطة الإمام، قالوا في قول الله: {الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ} [3]، وفي قوله: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لَآتٍ} [4]، وفي قول الله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ} [5]، وفي قوله: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو الله} [6]، وفي قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله} [7]: إن اللقاء يدل على الرؤية والمعاينة، وعلى هذا المعنى، فقد استدل المثبتون بقوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [8].
ومن أهل السنة من قال: اللقاء إذا قرن بالتحية فهو من الرؤية، وقال ابن بطة: سمعت أبا عمر الزاهد اللغوي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى بلغنا يقول في قوله: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ}[9]: أجمع أهل اللغة أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرة بالأبصار.
وأما الفريق الأول، فقال بعضهم: ليس الدليل من القرآن على رؤية المؤمنين ربهم قوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} وإنما الدليل آيات أخر، مثل قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [10]، وقوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [11]، وقوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} [12]، وقوله: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [13] إلى غير ذلك.
ومن أقوي ما يتمسك به المثبتون: ما رواه مسلم في صحيحه عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل الناس رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فوالذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما»، قال: «فيلقى العبد فيقول: أي فلان، ألم أكرمك؟ ألم أسوّدك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأتركك ترأس وتربع؟ قال: فيقول: بلى يا رب، قال: فظننت أنك ملاقي؟ فيقول: يا رب، لا. قال: فاليوم أنساك كما نسيتني». قال: «فيلقي الثاني فيقول: ألم أكرمك؟ ألم أسودك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأتركك ترأس وتربع؟ قال: فيقول: بلى يا رب، قال: فظننت أنك ملاقي؟ فيقول: يا رب، لا. قال: فاليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلقي الثالث: فيقول له مثل ذلك. فيقول: يارب، آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثنى بخير مااستطاع، فيقال: ألا نبعث شاهدنا عليك، فيتفكر في نفسه من يشهد على، فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي سخط الله عليه» إلى هنا رواه مسلم.
وفي رواية غيره وهي مثل روايته سواء صحيحة قال: «ثم ينادي مناد: ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قال: فتتبع أولياء الشياطين، الشياطين، قال: واتبعت اليهود والنصارى أولياءهم إلى جهنم، ثم نبقى أيها المؤمنون، فيأتينا ربنا، وهو ربنا فيقول: علام هؤلاء قيام؟ فنقول: نحن عباد الله المؤمنون عبدناه وهو ربنا، وهو آتينا ويثيبنا وهذا مقامنا. فيقول: أنا ربكم فامضوا، قال: فيوضع الجسر وعليه كلاليب من النار تخطف الناس، فعند ذلك حلت الشفاعة لي، اللهم سَلِّمْ، اللهم سَلِّمْ. قال: فإذا جاؤوا الجسر، فكل من أنفق زوجًا من المال مما يملك في سبيل الله فكل خزنة الجنة يدعونه: يا عبد الله، يا مسلم، هذا خير، فتعال. يا عبد الله، يا مسلم، هذا خير، فتعال» فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، ذلك العبد لا تَوَى عليه يدع بابًا ويلج من آخر، فضرب النبي ﷺ على منكبيه وقال: «والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكون منهم».
وهذا حديث صحيح، وفيه أن الكافر والمنافق يلقي ربه. ويقال: ظاهره أن الخلق جميعهم يرون ربهم، فيلقى الله العبد عند ذلك.
لكن قال ابن خزيمة والقاضي أبو يعلى وغيرهما: اللقاء الذي في الخبر غير الترائي، لا أن الله تراءى لمن قال له هذا القول، وهؤلاء يقولون: أخبر النبي ﷺ أن المؤمنين يرون ربهم؛لأنهم قالوا: هل نرى ربنا؟والضمير عائد على المؤمنين، فذكر النبي ﷺ أن الكافر يلقي ربه فيوبخه، ثم بعد ذلك تتبع كل أمة ما كانت تعبد، ثم بعد ذلك يراه المؤمنون.
يبين ذلك أن في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد، عن أبي هريرة: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا. قال: «فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيعرفونه ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من جاوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سَلِّم سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب مثل شَوْك السَّعْدَان، هل رأيتم شوك السعدان؟» قالوا: نعم. قال: «فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم المجازي حتي ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امْتُحِشُوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حَمِيل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة فيقبل بوجهه قبل النار فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار قد قَشَبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت أن فعل بك ذلك ألا تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة ورأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب، لا أكون أشقى خلقك، فيقول: هل عسيت إن أعطيتك ذلك ألا تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب، أدخلني الجنة، فيقول الله: ويحك يا ابن آدم ! ما أغدرك؟ أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك. فيضحك الله منه، ثم يؤذن له في دخول الجنة فيقول: تمنَّ. فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله: من كذا وكذا، أقبل يذكره ربه، حتى إذا انتهت به الأماني قال الله: لك ذلك ومثله معه.
قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة رضي الله عنهما: إن رسول الله ﷺ قال: «قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله»، قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلا قوله: «لك ذلك ومثله معه»، قال أبو سعيد: إني سمعته يقول: «لك ذلك وعشرة أمثاله».
وفي رواية في الصحيح قال: وأبو سعيد مع أبي هريرة لا يرد عليه في حديثه شيئًا حتى إذا قال أبو هريرة: إن الله قال: «ذلك لك ومثله معه»، قال أبو سعيد الخدري: وعشرة أمثاله يا أبا هريرة.
فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض، وقد اتفق أبو هريرة وأبو سعيد. . . [14]. وليس فيه ذكر الرؤية إلا بعد أن تتبع كل أمة ما كانت تعبد.
وقد روى بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة، قال: فينادي مناد: يا أيها الناس، ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم إلى من كان يعبد في الدنيا ويتولى؟ قال: ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويمثل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزيز. حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر، ويبقى أهل الإسلام جُثُومًا [15]، فيقال لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا ربًا ما رأيناه بعد، قال: فيقال: فبم تعرفون ربكم إذا رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة، إن رأيناه عرفناه. قيل: وما هو؟ قالوا: يكشف عن ساق»، وذكر الحديث.
ففي هذا الحديث: أن المؤمنين لم يروه قبل تجليه لهم خاصة، وأصحاب القول الآخر يقولون: معنى هذا لم يروه مع هؤلاء الآلهة التي يتبعها الناس؛فلذلك لم يتبعوا شيئًا.
يدل على ذلك ما في الصحيحين أيضا من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم، فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغُبَّر أهل الكتاب، فيدعي اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقول: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا رب فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يدعي النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا رب فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها» وفي رواية قال: «فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوها أول مرة، قال: فما تنتظرون؟ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا مرتين، أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد نفاقًا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خَرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ»، قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «دَحْض مَزَلّة فيه خطاطيف وكَلالِيب، وحَسَكة تكون بنَجْدٍ، فيها شُوَيْكَة يقال لها: السَّعْدَان. فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاود الخيل والركاب، فَنَاجٍ مُسَلَّم، ومَخْدُوش مرسل، ومُكَرْدَس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسي بيده، ما من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار».
ففي هذا الحديث: ما يستدل به على أنهم رأوه أول مرة قبل أن يقول: «ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون». وهي الرؤية الأولى العامة التي في الرؤية الأولى عن أبي هريرة، فإنه أخبر في ذلك الحديث بالرؤية واللقاء، ثم بعد ذلك يقول: «ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون».
وكذلك جاء مثله في حديث صحيح من رواية العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتبع الناس ما كانوا يعبدون، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب النار ناره، ولصاحب التصوير تصويره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا تتبعون الناس! فيقولون: نعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويثبتهم، ثم يتوارى، ثم يطلع فيقول: ألا تتبعون الناس! فيقولون: نعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، ويثبتهم». قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ قال: «فإنكم لا تتمارون في رؤيته تلك الساعة، ثم يتوارى ثم يطلع عليهم فيعرفهم نفسه، ثم يقول: أنا ربكم فاتبعوني، فيقوم المسلمون ويوضع الصراط».
وأبين من هذا كله في أن الرؤية الأولى عامة لأهل الموقف: حديث أبى رَزِين العقيلي الحديث الطويل قد رواه جماعة من العلماء وتلقاه أكثر المحدثين بالقبول، وقد رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد وذكر أنه لم يحتج فيه إلا بالأحاديث الثابتة، قال فيه رسول الله ﷺ: «فتخرجون من الأصوى ومن مصارعكم، فتنظرون إليه وينظر إليكم». قال: قلت: يا رسول الله، كيف وهو شخص واحد ونحن ملء الأرض، ننظر إليه وينظر إلينا؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؟ الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما في ساعة واحدة ويريانكم، ولا تضامون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو على أن يراكم وترونه أقدر منهما على أن يرياكم وتروهما». قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: «تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، ولا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه واحد منكم قطرة، فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الرَّيطَة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه مثل الحُمَم الأسود، ألا ! ثم ينصرف نبيكم ﷺ فيمر على أثره الصالحون» أو قال: «ينصرف على أثره الصالحون، قال: فيسلكون جسرًا من النار» وذكر حديث الصراط.
وقد روى أهل السنن، قطعة من حديث أبي رَزِين بإسناد جيد عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله، أكلنا يرى ربه يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «يا أبا رزين، أليس كلكم يرى القمر مخليًا به؟» قلت: بلى. قال: «فالله أعظم». فهذا الحديث فيه أن قوله: «تنظرون إليه وينظر إليكم» عموم لجميع الخلق، كما دل عليه سياقه. وروى ابن خزيمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: «والله ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر أو قال ليلة يقول: ابن آدم، ما غرك بي؟ ابن آدم، ما عملت فيما علمت؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟».
فهذه أحاديث مما يستمسك بها هؤلاء، فقد تمسك بعضهم بقوله سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} واعتقدوا أن الضمير عائد إلى الله، وهذا غلط؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: {وَيَقُولُونََ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ الله وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} [16]، فهذا يبين أن الذي رأوه هو الوعد، أي: الموعود به من العذاب، ألا تراه يقول: {وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ}.
وتمسكوا بأشياء باردة، فهموها من القرآن ليس فيها دلالة بحال.
وأما الذين خصوا بالرؤية أهل التوحيد في الظاهر مؤمنهم ومنافقهم فاستدلوا بحديث أبي هريرة وأبي سعيد المتقدمين كما ذكرناهما، وهؤلاء الذين يثبتون رؤيته لكافر ومنافق إنما يثبتونها مرة واحدة أو مرتين للمنافقين رؤية تعريف، ثم يحتجب عنهم بعد ذلك في العَرْصَة.
وأما الذين نفوا الرؤية مطلقًا على ظاهره المأثور عن المتقدمين، فاتباع لظاهر قوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ
عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [17]، روى ابن بطة بإسناده عن أشهب قال: قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله، هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ فقال مالك: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} وعن المزَنيّ قال: سمعت ابن أبي هرم يقول: قال الشافعي: في كتاب الله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} دلالة على أن أولياءه يرونه على صفته.
وعن حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول: أدركت الناس وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئًا أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة، يمرونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين، قال أبو عبد الله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فلا يكون حجاب إلا لرؤية، فأخبر الله أن من شاء الله ومن أراد فإنه يراه، والكفار لا يرونه. وقال: قال الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [18].
والأحاديث التي تروى في النظر إلى الله حديث جرير بن عبد الله وغيره «تنظرون إلى ربكم» أحاديث صحاح، وقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [19] النظر إلى الله. قال أبو عبد الله: أحاديث الرؤية نؤمن بها ونعلم أنها حق، ونؤمن بأننا نرى ربنا يوم القيامة، لا نشك فيه ولا نرتاب.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر وكذب بالقرآن، ورد على الله تعالى أمره، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. قال حنبل: قلت لأبي عبد الله في أحاديث الرؤية، فقال: صحاح، هذه نؤمن بها ونقر بها، وكل ما روى عن النبي ﷺ بإسناد جيد أقررنا به.
قال أبو عبد الله: إذا لم نقر بما جاء عن النبي ﷺ ودفعناه رددنا على الله أمره، قال الله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } [20].
وكذلك قال أبو عبد الله الماجَشُون وهو من أقران مالك في كلام له: فورب السماء والأرض ليجعل الله رؤيته يوم القيامة للمخلصين ثوابًا، فتنْضُر بها وجوههم دون المجرمين، وتفلج بها حجتهم على الجاحدين؛ جهم وشيعته، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، لا يرونه كما زعموا أنه لا يرى، ولا يكلمهم، ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، كيف لم يعتبروا؟ يقول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [21] أفيظن أن الله يقصيهم ويعنتهم ويعذبهم بأمر يزعم الفاسق أنه وأولياؤه فيه سواء؟
ومثل هذا الكلام كثير في كلام غير واحد من السلف، مثل وَكِيع بن الجراح وغيره.
وقال القاضي أبو يعلى وغيره: كانت الأمة في رؤية الله بالأبصار على قولين: منهم المحيل للرؤية عليه، وهم المعتزلة، والنجارية، وغيرهم من الموافقين لهم على ذلك، والفريق الآخر أهل الحق والسلف من هذه الأمة متفقون على أن المؤمنين يرون الله في المعاد، وأن الكافرين لا يرونه، فثبت بهذا إجماع الأمة ممن يقول بجواز الرؤية وممن ينكرها على منع رؤية الكافرين لله، وكل قول حادث بعد الإجماع فهو باطل مردود.
وقال هو وغيره أيضا: الأخبار الواردة في رؤية المؤمنين لله إنما هي على طريق البشارة، فلو شاركهم الكفار في ذلك بطلت البشارة، ولا خلاف بين القائلين بالرؤية في أن رؤيته من أعظم كرامات أهل الجنة.
قال: وقول من قال: إنما يُرِي نفسه عقوبة لهم وتحسيرًا على فوات دوام رؤيته، ومنعهم من ذلك بعد علمهم بما فيها من الكرامة والسرور يوجب أن يدخل الجنة الكفار، ويريهم ما فيها من الحور والولدان، ويطعمهم من ثمارها ويسقيهم من شرابها، ثم يمنعهم من ذلك ليعرفهم قدر ما منعوا منه، ويكثر تحسرهم وتلهفهم على منع ذلك بعد العلم بفضيلته.
والعمدة قوله سبحانه: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}، فإنه يعم حجبهم عن ربهم في جميع ذلك اليوم، وذلك اليوم يوم {يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [22]، وهو يوم القيامة، فلو قيل: إنه يحجبهم في حال دون حال لكان تخصيصًا للفظ بغير موجب، ولكان فيه تسوية بينهم وبين المؤمنين؛ فإن الرؤية لا تكون دائمة للمؤمنين، والكلام خرج مخرج بيان عقوبتهم بالحجب وجزائهم به. فلا يجوز أن يساويهم المؤمنون في عقاب ولا جزاء سواه، فعلم أن الكافر محجوب على الإطلاق بخلاف المؤمن، وإذا كانوا في عرصة القيامة محجوبين فمعلوم أنهم في النار أعظم حجبًا، وقد قال سبحانه وتعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا} [23]، وقال: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [24]، وإطلاق وصفهم بالعمى ينافى الرؤية التي هي أفضل أنواع الرؤية.
فبالجملة، فليس مقصودي بهذه الرسالة الكلام المستوفى لهذه المسألة فإن العلم كثير، وإنما الغرض بيان أن هذه المسألة ليست من المهمات التي ينبغي كثرة الكلام فيها، وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة حتى يبقى شعارًا، ويوجب تفريق القلوب، وتشتت الأهواء.
وليست هذه المسألة فيما علمت مما يوجب المهاجرة، والمقاطعة، فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة واتباع، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا، كما اختلف الصحابة رضي الله عنهم والناس بعدهم في رؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا، وقالوا فيها كلمات غليظة، كقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفُرْيَة. ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجر ولا تقاطعًا.
وكذلك ناظر الإمام أحمد أقوامًا من أهل السنة في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة، حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات، وكان أحمد وغيره يرون الشهادة، ولم يهجروا من امتنع من الشهادة، إلى مسائل نظير هذه كثيرة.
والمختلفون في هذه المسألة أعذر من غيرهم، أما الجمهور فعذرهم ظاهر كما دل عليه القرآن، وما نقل عن السلف، وأن عامة الأحاديث الواردة في الرؤية لم تنص إلا على رؤية المؤمنين، وأنه لم يبلغهم نص صريح برؤية الكافر، ووجدوا الرؤية المطلقة قد صارت دالة على غاية الكرامة ونهاية النعيم.
وأما المثبتون عمومًا وتفصيلا، فقد ذكرت عذرهم، وهم يقولون: قوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}[25] هذا الحجب بعد المحاسبة، فإنه قد يقال: حجبت فلانًا عني، وإن كان قد تقدم الحجب نوع رؤية وهذا حجب عام متصل، وبهذا الحجب يحصل الفرق بينهم وبين المؤمنين، فإنه سبحانه وتعالى يتجلى للمؤمنين في عرصات القيامة بعد أن يحجب الكفار كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، ثم يتجلى لهم في الجنة عمومًا وخصوصًا دائمًا أبدًا سرمدًا.
ويقولون: إن كلام السلف مطابق لما في القرآن، ثم إن هذا النوع من الرؤية الذي هو عام للخلائق قد يكون نوعًا ضعيفًا ليس من جنس الرؤية التي يختص بها المؤمنون، فإن الرؤية أنواع متباينة تباينًا عظيمًا لا يكاد ينضبط طرفاها.
وهنا آداب تجب مراعاتها:
منها: أن من سكت عن الكلام في هذه المسألة ولم يدع إلى شيء فإنه لا يحل هجره، وإن كان يعتقد أحد الطرفين، فإن البدع التي هي أعظم منها لا يهجر فيها إلا الداعية، دون الساكت، فهذه أولى.
ومن ذلك: أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارًا يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم، فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله.
وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين الذين هم في عافية وسلام عن الفتن ولكن إذا سئل الرجل عنها أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك ألقى إليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به، بخلاف الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة فإن الإيمان بذلك فرض واجب؛ لما قد تواتر فيها عن النبي ﷺ وصحابته وسلف الأمة.
ومن ذلك: أنه ليس لأحد أن يطلق القول بأن الكفار يرون ربهم من غير تقييد، لوجهين:
أحدهما: أن الرؤية المطلقة قد صار يفهم منها الكرامة والثواب، ففي إطلاق ذلك إيهام وإيحاش، وليس لأحد أن يطلق لفظًا يوهم خلاف الحق إلا أن يكون مأثورًا عن السلف وهذا اللفظ ليس مأثورًا.
الثاني: أن الحكم إذا كان عامًا في تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول الجميل فإنه يمنع من التخصيص، فإن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات وما يستقبحه الشرع من الحوادث، بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب، ويا مريدًا للزنا، ونحو ذلك، بخلاف ما لو قال: ياخالق كل شيء، ويا من كل شيء يجري بمشيئته، فكذلك هنا لو قال: ما من أحد إلا سيخلو به ربه وليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، أو قال: إن الناس كلهم يحشرون إلى الله فينظر إليهم وينظرون إليه، كان هذا اللفظ مخالفًا في الإيهام للفظ الأول.
فلا يخرجن أحد عن الألفاظ المأثورة، وإن كان قد يقع تنازع في بعض معناها، فإن هذا الأمر لابد منه، فالأمر كما قد أخبر به نبينا ﷺ والخير كل الخير في اتباع السلف الصالح والاستكثار من معرفة حديث رسول الله ﷺ والتفقه فيه، والاعتصام بحبل الله وملازمة ما يدعو إلى الجماعة والألفة، ومجانبة ما يدعو إلى الخلاف والفرقة، إلا أن يكون أمرًا بينًا قد أمر الله ورسوله فيه بأمر من المجانبة فعلى الرأس والعين.
وأما إذا اشتبه الأمر: هل هذا القول أو الفعل مما يعاقب صاحبه عليه أو ما لا يعاقب؟ فالواجب ترك العقوبة؛ لقول النبي ﷺ: «ادرؤوا الحدود بالشبهات، فإنك إن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة» رواه أبو داود، ولا سيما إذا آل الأمر إلى شر طويل، وافتراق أهل السنة والجماعة، فإن الفساد الناشئ في هذه الفرقة، أضعاف الشر الناشئ من خطأ نفر قليل في مسألة فرعية.
وإذا اشتبه على الإنسان أمر فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
وبعد هذا: فأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويرزقنا اتباع هدى نبيه ﷺ باطنًا وظاهرًا، ويجمع على الهدى شملنا، ويقرن بالتوفيق أمرنا، ويجعل قلوبنا على قلب خيارنا، ويعصمنا من الشيطان، ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وقد كتبت هذا الكتاب وتحريت فيه الرشد، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، ومع هذا فلم أحط علمًا بحقيقة ما بينكم ولا بكيفية أموركم، وإنما كتبت على حسب ما فهمت من كلام من حدثني، والمقصود الأكبر إنما هو إصلاح ذات بينكم وتأليف قلوبكم.
وأما استيعاب القول في هذه المسألة وغيرها وبيان حقيقة الأمر فيها، فربما أقول أو أكتب في وقت آخر إن رأيت الحاجة ماسة إليه، فإني في هذا الوقت رأيت الحاجة إلى انتظام أمركم أوكد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
هامش
[المطففين: 15]
مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس
فصل: تقرب العبد إلى الله | وقال الشيخ رحمه الله تعالى | فصل: ما قاله الشيخ في إثبات القرب وأنواعه | فصل: هل يتحرك القلب والروح إلى محبوبها | سئل عمن يقول إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم | فصل قول القائل: كلما قام دليل العقل على أنه يدل على التجسيم كان متشابها | فصل في جمل مقالات الطوائف في الصفات | فصل الأشياء العينية والعلمية واللفظية والرسمية | فصل طريقة اتباع الأنبياء هي الموصلة إلى الحق | سئل عن تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال | المقدمة الأولى أن الكمال ثابت لله | المقدمة الثانية لا بد من اعتبار أمرين | فصل ما جاء به الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول | فصل قول الملاحدة أن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره | فصل: قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها | فصل: قول القائل الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب | فصل: قول القائل لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث | فصل: نفي النافي للصفات الخبرية المعينة | فصل: قول القائل المناسبة لفظ مجمل فقد يراد بها التولد والقرابة | فصل قول القائل الرحمة ضعف وخور في الطبيعة | فصل: قول القائل الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام | فصل: قول القائل إن الضحك خفة روح | فصل قول القائل التعجب استعظام للمتعجب منه | فصل قول القائل لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا | فصل: قول منكري النبوات ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم رسولا | فصل قول المشركين إن عظمته تقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة | فصل: قول القائل لو قيل لهم أيما أكمل | فصل: قول القائل الكمال والنقص من الأمور النسبية | فصل قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى | فصل القاعدة العظيمة في مسائل الصفات والأفعال | رد الإمام أحمد على ما أنكرت الجهمية من أن الله كلم موسى | فصل قال القاضي: قال أحمد في رواية حنبل لم يزل الله متكلما عالما غفورا | فصل: ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلمًا بالقرآن قبل أن يخلق الخلق | فصل مما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الله ينزل إلى سماء الدنيا | فصل ومما يجب التصديق به مجيئه إلى الحشر يوم القيامة | القول في القرآن | قاعدة في الاسم والمسمى | فصل الذين قالوا إن الاسم غير المسمى | سئل عمن زعم أن الإمام أحمد كان من أعظم النفاة للصفات | فصل في الصفات الاختيارية | فصل في الإرادة والمحبة والرضا | فصل في السمع والبصر والنظر | فصل في دلالة الأحاديث على الأفعال الاختيارية | فصل المنازعون النفاة منهم من ينفي الصفات مطلقا | فصل: رد فحول النظار حجج النفاة لحلول الحوادث | فصل في اتصافه تعالى بالصفات الفعلية | فصل فيما ذكره الرازي في مسألة الصفات الاختيارية | فصل: الرد على الرازي في قصة الخليل إبراهيم وقوله لا أحب الآفلين | قاعدة أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة إنما تدل على الحق | فصل: مسلك طائفة من أئمة النظار الجمع بين أدلة الأشاعرة والفلاسفة | فصل: الحجة الثانية لمن قال بقدم الكلام | فصل: فيما احتج به الفلاسفة والمتكلمون في مسألة حدوث العالم | فصل في دلالة ما احتجوا به على خلاف قولهم | سئل عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات | الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز والصفات | فصل المعترض في الأسماء الحسنى | سئل عن قول النبي: الحجر الأسود يمين الله في الأرض | حديث: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة | فصل هل ترى المؤمنات الله في الآخرة | سئل عن لقاء الله سبحانه هل هو رؤيته أو رؤية ثوابه | فصل: قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه | فصل قول السائل إذا كان حب اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة للنعيم | رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم | قوله في حديث: نور أنى أراه | فصل الذي ثبت: رأى محمد ربه بفؤاده | سئل عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا | سئل عن حديث إن الله ينادي بصوت | فصل قول القائل لا يثبت لله صفة بحديث واحد | الرسالة العرشية | سئل هل العرش والكرسي موجودان أم مجاز | سئل عن رجلين تنازعا في كيفية السماء والأرض | سئل عن خلق السموات والأرض وتركيب النيرين والكواكب | سئل هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار | سئل عن اختلاف الليل والنهار
تصنيف:
مجموع الفتاوى

---------------------------------------- 


[العرْصة: البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء. انظر: المصباح المنير، مادة: عرص]
[أي: بقايا]
[الكهف: 105]
[العنكبوت: 5]
[البقرة: 45، 46]
[البقرة: 249]
[الأنعام: 31]
[الانشقاق: 6]
[الأحزاب: 43، 44]
[القيامة: 22، 23]
[يونس: 26]
[المطففين: 22، 23]
[ق: 35]
[بياض بالأصل]
[أي: بُروكا على الأرض كبروك الإبل ]
[الملك: 2527]
[المطففين: 15]
[القيامة: 22، 23]
[يونس: 26]
[الحشر7]
[المطففين: 15]
[المطففين: 6]
[الإسراء: 72]
[طه: 124]

في فبراير 12, 2022 ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الملك الناصر ابن تيمية {من الداعي أحمد بن تيمية الى سلطان المسلمين..}

رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الملك الناصر ابن تيمية        

 
رسالة أرسلها شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية، رحمه الله، الى السلطان الملك الناصر، يذكر فيها ما أنعم الله على السلطان وعلى أهل الإسلام بسبب فتوح جبل كسر وان
بسم الله الرحمن الرحيم
من الداعي أحمد بن تيمية الى سلطان المسلمين، ومن أيد الله في دولته الدين، أعز بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين، والخوراج والمارقين، نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه أمور الخاص والعام، وأحيا به معالم الإيمان، وأقام عليه شرايع القرآن، وأذل به أهل الكفر والفسوق والعصيان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا أحد إلاهو، هو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. أما بعد، فقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأنعم الله على السلطان وعلى المؤمنين في دولته نعما لم تعهد في القرون الخالية، وجدد الإسلام في أيامه تجديدا بانت فضيلته على الدول الماضية، وتحقق في ولايته خبر الصادق المصدوق أفضل الأولين والآخرين، الذي أخبر فيه عن تجديد الدين في رؤوس المئين، والله تعالى يوزعه والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة في الدنيا والدين. ويتمها بتمام النصر على ساير الأعداء المارقين. وذلك أن السلطان أتم الله نعمته حصل للأمة بمن ولايته، وحسن نيته، وصحة إسلامه وعقيدته، وبركة إيمانه ومعرفته، وفضل همته وشجاعته، وثمرة تعظيمه للدين وشرعته، ونتيجة اتباعه لكتاب الله وحكمته، ما هو شبيه بما كان يجري في أيام الخلفاء الراشدين، وما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين، من جهاد أعداء الله المارقين من الدين، وهم صنفان: أهل الفجور والطغيان، وذوو الغيّ والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان، طلبا للعلو في الاحن والفساد، وتركا لسبيل الهدى والرشاد، وهؤلاء هم التتار ونحوهم من كل خارج عن شرايع الإسلام. وان تمسك بالشهادتين أو ببعض سياسة الأنام. والصنف الثاني: أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة، مثل هؤلاء الذين غزوا بأمر السلطان من أهل الجبيل والجرد والكسروان. فإن ما منّ الله به من الفتح والنصر على هؤلاء الطغام، هو من عظايم الأمور التي أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام. وذلك لأن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين، في أمر الدنيا والدين، فإن اعتقادهم أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر وبيعة الرضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان. وأئمة الإسلام وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك الإسلام وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم، كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون، أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم مرتدون عندهم، والمرتد شرّ من الكافر الأصلي، ولهذا السبب يقدوم الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان، ولهذا لما قدم التتار الى البلاد، فعلوا بعسكر المسلمين ما لا يحصى من الفساد، وأرسلوا الى أهل قبرص فملكوا بعض الساحل، وحملوا راية الصليب، وحملوا الى قبرص من خيل المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يحصي عدده إلا الله. وأقام سوقهم بالساحل عشرين يوما يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرص، وفرحوا بمجيء التتار هم وساير أهل هذا المذهب الملعون، مثل جزين وما حواليها، وجبل عامل ونواحيه. ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية ظهر فيهم من الخزي والنكال ما عرفه الناس منهم، ولما نصر الله الإسلام النصرة العظمى عند قدوم السلطان كان بينهم شبيه بالعزاء، كل هذا وأعظم منه، عند هذه الطايفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج جنكسخان الى بلاد الاسلام، في استيلاء، هولاكو على بغداد، وفي قدومه حلب، وفي نهب الصالحية، وغير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله. لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو مرتد. ومن استحل الفقاع فهو عندهم كافر. ومن مسح الخفين فهو عندهم كافر. ومن حرم المتعة فهو عندهم كافر. ومن أحب أبا بكر أوعمر أوعثمان أو ترضى عنهم أو عن جماهير الصحابة فهو كافر. ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو كافر. وهذا المنتظر صبي عمره سنتان أو ثلاث أو خمس. يعمون أنه يدخل السرداب بسامراء من أكثر من أربع ماية سنة، وهو يعلم كل شيء، وهو حجة الله على اهل الأرض. فمن لم يؤمن به فهو كافر. وهو شيء لا حقيقة له. ولم يكن هذا في الوجود قط. بل عندهم من قال : " الله يرى في الآخرة" فهو كافر. ومن قال: " إن الله تكلم بالقرآن حقيقة" فهو كافر. ومن قال: " إن الله فوق السموات" فهو كافر. ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: " إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وإن الله يقلب قلوب عباده. وإن الله خالق كل شيء" فهو عندهم كافر. وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، فهو عندهم كافر. وهذا هو المذهب الذي تلقنه لهم أئمتهم مثل بني العود فإنهم شيوخ اهل هذا الجبل، وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين ويفتونهم بهذه الأمور. وقد حصل بأيدي المسلمين عدة من كتبهم تصنيف ابن العود وغيره. وفيها هذا وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم. لكنهم مع هذا يظهرون التقية والنفاق، ويتقربون ببذل الأموال الى من يقبلهم منهم، وهكذا كان عادة هؤلاء الجبلية، فإنما أقاموا بجبلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق، ويبذلونه من البرطيل لمن يقصدهم. والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة. ذكر ذبك أهل الخبرة، أنهم لم يروا مثله، ولهذا كثر فسادهم، فقتلوا من النفوس، وأخذوا من الأموال ما لا يعلمه إلا الله. ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمر لا يضبط سره. كل ليلة ينزل عليهم منهم طايفة، ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. وكانوا في قطع الطرقات، وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عرفت من أهل الخيانات، ترد إليهم النصارى من أهل قبرص فيضيفونهم، ويعطونهم سلاح المسلمين. ويقعون بالرجل الصالح من المؤمنين، فاما أن يقتلوه أو يسلبوه. وقليل من تفلت منهم بالحيلة، فأعان الله ويسر بحسن نية السلطان، وهمته في إقامة شرايع الإسلام، وعنايته وجهاده المارقين ان غزوا غزوة شرعية كما أمر الله ورسوله بعد أن كشفت أموالهم وأزيحت عليهم، وأزيلت شبهتهم، وبذل لهم من العدل والانصاف ما لم يكونوا يطمعون به. وبين لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب في قتاله للحرورية المارقين، الذين تواتر عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم، ونعت حالهم من وجوه متعددة، أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه من حديث علي ابن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن حنيف، وأبي ذر الغفاري، ورافع بن عمرو، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ قال فيهم: " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم. يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية. لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"، لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد انكلوا عن العمل، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يقرأون القرآن يحسبونه أنهم لهم وهو عليهم شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه. وأول ما خرج هؤلاء زمن أمير المؤمنين علي، وكان لهم من الصلاة والصيام والقراءة والعبادة والزهادة ما لم يكن لعموم الصحابة، لكن كانوا خارجين عن سنة رسول الله ﷺ، وعن جماعة المسلمين وقتلوا من المسلمين رجلا اسمه عبدالله بن حباب، وأغاروا على دواب المسلمين. وهؤلاء القوم كانوا أقل صلاة وصياما، ولم نجد في جبلهم مصحفا، ولا فيهم قارئ للقرآن، وإنما عندهم عقايدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، واستحلوا بها دماء المسلمين، وهم مع هذا فقد سفكوا من الدماء وأخذوا من الأموال ما لا يحصي عدده إلا الله. فإذا كان علي ابن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج مع أنه قتلهم جميهم، كان هؤلاء أحق بأخذ أموالهم، وليس هؤلاء بمنزلة المتأولين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم الجمل أنه لا يقتل مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يغنم لهم مال، ولا يسبي لهم ذريّة لأن مثل أولئك لهم تأويل سايغ، وهؤلاء ليس لهم تأويل سايغ، ومثل أولئك إنما يكون خارجا عن طاعة الإمام، وهؤلاء خرجوا عن شريعة الله وسنته، وهم شر من التتار من وجوه متعددة، لكن التتر أكثر وأقوى، فلذلك يظهر كثرة شرهم، وكثير من فساد التتر فهو لمخالطة هؤلاء لهم. كما كان في زمن غازان و هولاكو وغيرهما. وأيضا، فإنهم أخذوا من أموال المسلمين اضعاف ما أخذ من اموالهم وأرضهم فيء بيت المال. وقد قال كثير من السلف: إن الرافضة لا حق لهم من الفيء، لأن الله إنما جعل الفيء للمهاجرين والأنصار والذين من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم
فمن لم يكن قلبه سليما لهم، ولسانه منغفرا لهم، لم يكن من هؤلاء وقطعت أشجارهم، لأن النبي ﷺ لما حاصر بني النضير قطع أصحابه نخلهم وحرّقوه، فقال اليهود: هذا فساد، وانت ي امحمد تنهى عن الفساد. فأنزل الله تعالى في القرآن: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين" وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر وتخريب العامر عند الحاجة إليه، فليس ذلك بأولى من قتل النفوس. وما أمكن غير ذلك، فإن القوم لم يحصر كلهم من الأماكن التي اختفوا فيها وأيسوا من المقام في الجيل إلا حين قطعت الأشجار، وإلا كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم لأن التركمان إنما قصدهم الري، وقد صار لهم مرعى، وساير الفلاحين لا يتركون عمارة أرضهم ويجيئون إليه. فالحمد لله الذي يسر بهذا الفتح في دولة السلطان، وبهمته وعزمه وأمره، وإخلاء منهم، وهم يشبهون بما ذكره الله في قوله: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله. فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا. وقذف في قلوبهم الرعب. يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. فاعتبروا يا أولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب النار. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب. ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله، وليخزي الفاسقين" وأيضا فإنه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق، ما يرفع الله به درجات السلطان، ويعز به أهل الإيمان.
فصل
تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان لحسم مادة أهل الفساد وإقامة الشريعة في البلاد، فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قرى كثيرة من يقتدون به وينتصرون وفي قلوبهم غل عظيم، وإبطان معاداة شديدة لا يؤمنون معها على ما يمكنهم، ولو أن مباطنة العدو، فإذا أمسك رؤوسهم الذين يضلونهم مثل بني العود زال بذلك من الشر ما لا يعلمه إلا الله، ويتقدم إلى قراهم، وهي قرى متعددة بأعمال دمشق وصفد وطرابلس وحمص وحماة وحلب، بأن يقام فيهم شرايع الاسلام: الجمعة والجماعة، وقراءة القرآن، ويكون لهم خطباء ومؤذنون كساير قرى المسلمين، وتقرأ فيهم الأحاديث النبوية، وتنشر فيهم المعالم الإسلامية.
تصنيف:
رسالة ابن تيمية إلى الملك الناصر
في فبراير 12, 2022 ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest
رسائل أحدث رسائل أقدم الصفحة الرئيسية
الاشتراك في: التعليقات (Atom)

كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي رحمه الله تعالى من 1 الي 2001 -

      مكتبة العلوم الشاملة https://sluntt.blogspot.com/ الاثنين، 21 فبراير 2022 كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي رحمه الله تعالى من...

  • كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي رحمه الله تعالى من 1 الي 2001 -
          مكتبة العلوم الشاملة https://sluntt.blogspot.com/ الاثنين، 21 فبراير 2022 كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي رحمه الله تعالى من...
  • كتاب:أخلاق أهل القرآن -الآجري
    كتاب:أخلاق أهل القرآن - الآجري  بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وما توفيقي إلا بالله أخبرنا الشيخان الصالحان الثقتان: الشيخ تاج الدين...
  • رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الملك الناصر ابن تيمية {من الداعي أحمد بن تيمية الى سلطان المسلمين..}
    رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الملك الناصر ابن تيمية            رسالة أرسلها شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية، رحمه الله، ال...

اندكس5.

الرابط  

*********** 

 

 

 

 

/////////////////

 

 

 

 

 

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة باقي520.....

أرشيف المدونة الإلكترونية اخبط السهم شمالا او التاريخ بجانبه بااقيي520.

  • ◄  2021 (13)
    • ◄  نوفمبر 2021 (2)
    • ◄  ديسمبر 2021 (11)
  • ▼  2022 (142)
    • ▼  فبراير 2022 (142)
      • ج1..طريق الهجرتين وباب السعادتين/1 .
      • ج 2/طريق الهجرتين وباب السعادتين/2..
      • عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين للعلامة ابن قيم الجوزية
      • كتاب فتاوى إمام المفتين ابن القيم
      • كتاب الصلاة وحكم تاركها/ لابن القيم
      • نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول الإ...
      • روابط ويكي لكتاب هداية الحيارى
      • * رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه
      • مؤلفات ابن تيمية
      • الفتن لنغيم ين حماد {ورد-- من 1 الي 2001 - حديثا }
      • اقتضاء الصراط المستقيم/1 .لابن تيمية
      • * مجموع الفتاوى/المجلد الثامن عشر/أحاديث رواها شيخ...
      • مجموع الفتاوى/المجلد العشرون/فصل في الحقيقة والمجا...
      • رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية عند مداهمة التتار لأرض...
      • رسالة في فضل الخلفاء الراشدين لابن تيمية .
      • رسالة في علم الباطن والظاهر لإبن تيمية
      • رسالة في عموم رسالة الرسول للثقلين ابن تيمية
      • مجموع الفتاوى/المجلد الثامن والعشرون ابن تيمية الم...
      • رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الملك الناصر ابن ت...
      • مجموع الفتاوى/المجلد السادس/رسالة إلى أهل البحرين ...
      • الرسالة السنية إلى الطائفة العدوية تصنيف شيخ الإس...
      • الرسالة القبرصية ابن تيمية {رسالة من ابن تيمية إلى...
      • الرسالة العرشية {الرسالة العرشية ابن تيمية}
      • رسالة حقيقة الصيام ابن تيمية
      • الرسالة التدمرية في التوحيد والأسماء والصفات والقض...
      • دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (مختارات) تق...
      • الرسالة الأكملية لإبن تيمية
      • مجموعة الرسائل والمسائل ابن تيمية
      • الْتِهابُ الدِّماغِ الخَيلِيُّ الشَّرْقِيّ، المعرو...
      • الحُمَّى البُوليفِيَّةُ النَّزْفِيَّة + التهاب الم...
      • درء العقل والمنطق لابن تيمية
      • درء تعارض العقل والنقل/1.لان تيمية
      • درء تعارض العقل والنقل/2. لابن تيمية الي 55 جزء
      • فهرست المدونة المنمق
      • من جامع الرسائل/رسالة في الرد على ابن عربي في دعوى...
      • مقتل علي بن أبي طالب والحسين ابن تيمية
      • روابط مجموع فتاوى ابن تيمية معارج الوصول ابن تيمية
      • زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور تقي الدين أبو ال...
      • مجموع الفتاوى/المجلد الخامس/سئل شيخ الإسلام رحمه ا...
      • سئل شيخ الإسلام ما قول السادة العلماء أئمة الدين ف...
      • 1-سئل شيخ الإسلام في تفسير قول النبي في سورة الإخل...
      • ابن تيمية الكلم الطيب ابن تيمية/الرد على المنطقيي...
      • مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم /مذهب السلف ...
      • سئل عن أحاديث يرويها قصاص/كتاب الإيمان الأوسط/ قاع...
      • فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه | العبودية /قاعدة ...
      • 1-الصارم المسلول على شاتم الرسول ابن تيمية 2- كتا...
      • الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم /و//فصل في قوله ت...
      • ج1-وج2-وج3 وج4.-- التحفة العراقية ابن تيمية /
      • كتاب الرد على البكري {تلخيص كتاب الاستغاثة} تقي ال...
      • رواط كل كتاب الفتاوي الكبري لابن تيمية
      • الفتاوى الكبرى/مسائل منثورة/1..لابن تيمية
      • ||| --- حقوق آل البيت بين السنة والبدعة /شرح العم...
      • الجواب الباهر في زوار المقابر ابن تيمية
      • قاعدة في الأموال السلطانية ابن تيمية { ابام ابن ت...
      • حمل مخطوطة المسائل الماردينية
      • روابط درء العقل والمنطق
      • حمل روائع الكتاب الاسلامي {مكتبة علوم القران}
      • 2.حمل روائع الكتاب الاسلامي { مكتبة الحديث}
      • 3-.حمل روائع الكتاب الاسلامي { مكتبة التاريخ }
      • 4-حمل روائع الكتاب الاسلامي {مكتبة الادب}
      • حمل من مكتبة الكتاب الاسلامي{المكتبة العامة}
      • مكتبة العقيدة الكتاب الاسلامي
      • مكتبة الفقه مكتبة الكتاب الاسلامي روائع
      • كتاب : الاعتصام للشاطبي {أقسام الكتاب/1234 .} مرف...
      • متبة العلوم الشاملة
      • من قصائد امرئ القيس
      • البخاري و الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة ...
      • كتاب خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب الت...
      • ويكي مصدر:مؤلفون-ت
      • 1. ابن خلدون 2.محمد بن موسى الخوارزمي و روابط كتاب...
      • * سنن أبي داود/كتاب الطلاق كتاب الطلاق +سنن أبي د...
      • كتاب الطب والعتق من سنن أبي داود
      • روابط كتاب سنن أبي داود + كتاب الفتن والملاحم + كت...
      • كتاب الملاحم + كتاب الأقضية
      • كتاب العلم + كتاب العلم {ملون} من سنن ابي داود
      • سورة الفاتحة
      • علم النحو والصرف وعلوم اللغة العربية علم اللغة علم...
      • روابط موقع روح الاسلام روابط مباشرة
      • مكتبة الإمام جلال الدين السيوطي - الإصدار الثاني [...
      • سنن أبي داود/كتاب الصوم
      • سنن أبي داود/كتاب الفرائض سنن أبي داود كتاب الفرائض
      • علم المعاجم العربية
      • لغويات عصبية
      • . الطلاق و المجاز 3- والتعقيب و2. ما دلالة قول الل...
      • الطلاق للعدة ويكبيديا
      • كتاب:الإرشاد في معرفة علماء الحديث الخليل بن عبد ا...
      • كتاب : الكفاية في علم الرواية أحمد بن علي بن ثابت...
      • كتاب : الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث لابن كثير
      • كتاب : جامع التحصيل في أحكام المراسيل أبو سعيد بن...
      • كتاب : معرفة علوم الحديث أبو عبد الله محمد بن عبد ...
      • كتاب المغالطات ورد نبي الله ابراهيم عليها
      • كتاب المغالطات ورد نبي الله ابراهيم عليها
      •  التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح‏
      • كتاب الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية لأبي ا...
      • كتاب أديان العرب في الجاهلية:مطبوع
      • كتاب الأساليب البديعة في فضل الصحابة وإقناع الشيعة...
      • كتاب إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة:مطبوع
      • كتاب إظهار الحق:مطبوع
      • كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي رحمه الله تعالى م...
      • كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي رحمه الله تعالى م...

مصحف بر الوالدين باقي

مصحف بر الوالدين

سورة الفاتحة رقم1.//سورة البقرة{2}//سورة آل عمران {3}//سورة النساء{4}//سورة المائدة {5}//سورة الأنعام {6}//سورة الأعراف{7}//سورة الأنفال /8.//سورة التوبة /9.//سورة يونس /10.سورة هود /11. / سورة يوسف/12. /سورة الرعد /13. /سورة إبراهيم 14/ / سورة الحجر/15. / سورة النحل /16. / سورة الإسراء/17. / سورة الإسراء/17. / سورة الكهف /18. / سورة مريم/19. /سورة طه /20. /سورة الأنبياء /21. / سورة الحج /22. /سورة المؤمنون /23. /سورة النور/24. /سورة الفرقان 25/ /سورة الشعراء/26. /سورة النمل .27. / سورة القصص*28. / سورة العنكبوت-29. /سورة الروم .30. /سورة لقمان.31. /سورة السجدة 32. /سورة الأحزاب.33. /سورة سبأ 34. /سورة فاطر.35. /سورة يس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 36. /سورة الصافات 37. /سورة ص.38. /سورة الزمر39. /سورة غافر .40. /سورة فصلت41. /سورة الشورى42. /سورة الزخرف 43. /سورة الدخان 44. /سورة الجاثية 45. /سورة الأحقاف46. /سورة محمد47. /سورة الفتح 48. /سورة الحجرات 49. /سورة ق50. /سورة الذاريات 51.سورة الطور52.سورة النجم53.سورة القمر 54.سورة الرحمن55/. سورة الواقعة.56.سورة الحديد 57.سورة المجادلة 58.سورة الحشر59.سورة الممتحنة 60.سورة الصف 61.سورة الجمعة62. /سورة المنافقون 63.سورة التغابن 64.سورة الطلاق 65./سورة التحريم66. / …………..م /سورة الملك 67. /سورة القلم 68. /سورة الحاقة 69. /سورة المعارج 70. /سورة نوح 71. /سورة الجن 72. /سورة المزمل 73. /سورة المدثر 74. /سورة القيامة 75. /سورة الإنسان 76. /سورة المرسلات /مكية/رقم السورة: 77 - /سورة النبأ 78. /سورة النازعات 79. /سورة عبس80. /سورة التكوير 81. /سورة الانفطار 82. /سورة المطففين83. /سورة الانشقاق 84. /سورة البروج 85. /سورة الطارق 86. /سورة الأعلى 87. /سورة الغاشية 88. /سورة الفجر 89. /سورة البلد 90. /سورة الشمس 91. /سورة الليل 92. /سورة الضحى 93. /سورة الشرح 94. / سورة التين95. /سورة التين 95. /سورة العلق 96. /سورة القدر97. /سورة البينة 98. /سورة الزلزلة 99. /سورة العاديات 100. /سورة القارعة 101. /سورة التكاثر 102. /سورة العصر 103. /سورة الهمزة 104. /سورة الفيل 105. / سورة قريش 106. /سورة الماعون 107. /سورة الكوثر 108. /سورة الكافرون 109. /سورة النصر .110. / سورة المسد 111. /سورة الإخلاص 112. /سورة الفلق 113. /سورة الناس 114.

قائمة سور مصحف بر الوالدين

المصحف وورد- باقي فورا.114. سورةسورة الفاتحة رقم1.
  • سورة البقرة{2}
  • سورة آل عمران {3}
  • سورة النساء{4}
  • سورة المائدة {5}
  • سورة الأنعام {6}
  • سورة الأعراف{7}
  • سورة الأنفال /8.
  • سورة التوبة /9.
  • سورة يونس /10.
  • سورة هود /11.
  • سورة يوسف/12.
  • سورة الرعد /13.
  • سورة إبراهيم 14/
  • 15سورة الحجر/15.
  • سورة النحل /16.
  • سورة الإسراء/17.
  • سورة الإسراء/17.
  • سورة الكهف /18.
  • سورة مريم/19.
  • سورة طه /20.
  • سورة الأنبياء /21.
  • سورة الحج /22.
  • سورة المؤمنون /23.
  • سورة النور/24.
  • سورة الفرقان 25/
  • سورة الشعراء/26.
  • سورة النمل .27.
  • سورة القصص*28.
  • سورة العنكبوت-29.
  • سورة الروم .30.
  • سورة لقمان.31.
  • سورة السجدة 32.
  • سورة الأحزاب.33.
  • سورة سبأ 34.
  • سورة فاطر.35.
  • سورة يس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 36.
  • سورة الصافات 37.
  • سورة ص.38.
  • سورة الزمر39.
  • سورة غافر .40.
  • سورة فصلت41.
  • سورة الشورى42.
  • سورة الزخرف 43.
  • سورة الدخان 44.
  • سورة الجاثية 45.
  • 46سورة الأحقاف.
  • سورة محمد47.
  • سورة الفتح 48.
  • سورة الحجرات 49.
  • سورة ق50.
  • سورة الذاريات 51.
  • .سورة الطور52.
  • سورة النجم53.
  • سورة القمر 54.
  • سورة الرحمن55.
  • سورة الواقعة.56.
  • سورة الحديد 57.
  • سورة المجادلة 58.
  • سورة الحشر59.
  • سورة الممتحنة 60.
  • سورة الصف 61.
  • سورة الجمعة62.
  • سورة المنافقون 63.
  • سورة التغابن 64.
  • .سورة الطلاق 65.
  • سورة التحريم66.
  • …………..
  • سورة الملك 67.
  • سورة القلم 68.
  • سورة الحاقة 69.
  • سورة المعارج 70.
  • سورة نوح 71.
  • سورة الجن 72.
  • سورة المزمل 73.
  • سورة المدثر 74.
  • سورة القيامة 75.
  • سورة الإنسان 76.
  • سورة المرسلات /مكية/رقم السورة: 77 -
  • 78سورة النبأ 78.
  • سورة النازعات 79.
  • سورة عبس80.
  • سورة التكوير 81.
  • سورة الانفطار 82.
  • 83.سورة المطففين83.
  • سورة الانشقاق 84.
  • سورة البروج 85.
  • سورة الطارق 86.
  • سورة الأعلى 87.
  • سورة الغاشية 88.
  • سورة الفجر 89.
  • سورة البلد 90.
  • سورة الشمس 91.
  • سورة الليل 92.
  • سورة الضحى 93.
  • سورة الشرح 94.
  • سورة التين95.
  • سورة التين 95.
  • سورة العلق 96.
  • سورة القدر97.
  • سورة البينة 98.
  • سورة الزلزلة 99.
  • سورة العاديات 100.
  • سورة القارعة 101.
  • سورة التكاثر 102.
  • سورة العصر 103.
  • سورة الهمزة 104.
  • سورة الفيل 105.
  • سورة قريش 106.
  • سورة الماعون 107.
  • سورة الكوثر 108.
  • سورة الكافرون 109.
  • سورة النصر .110.
  • سورة المسد 111.
  • سورة الإخلاص 112.
  • سورة الفلق 113.
  • سورة الناس 114.

البر

 بر الرالدين

الفهرست ويكي

الفهرس ويكي


فهرس المؤلفين:ا • إ • آ • أ • ب • ت • ث • ج • ح • خ • د • ذ • ر • ز • س • ش • ص • ض • ط • ظ • ع • غ • ف • ق • ك • ل • م • ن • هـ • و • ي

كتب الجرح والتعديل**

مخطوطات 
**

 التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح‏

علم اللغة العربية

علم اللغة العربية

علوم اللغة العربية/علم اللغة /علم النحو /علم الصرف /علم الاشتقاق /علم/المعاني /علم البيان /علم البديع /علم العروض /علم القافية /علم الإنشاء /علم قوانين الكتابة /علم المحاضرات ومنه التواريخ

روابط كتاب سنن أبي داود من ويكي

روابط كتاب سنن أبي داود من ويكي

كتاب الطهارة | كتاب الصلاة | أبواب التشهد | كتاب الاستسقاء | كتاب صلاة السفر | كتاب التطوع | كتاب شهر رمضان | كتاب سجود القرآن | كتاب الوتر | أبواب فضائل القرآن | كتاب الزكاة | كتاب اللقطة | كتاب المناسك | كتاب النكاح | كتاب الطلاق | كتاب الصوم | كتاب الجهاد | كتاب الضحايا | كتاب الصيد | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الخراج والإمارة والفىء | كتاب الجنائز | كتاب الأيمان والنذور | كتاب البيوع | كتاب الإجارة | كتاب الأقضية | كتاب العلم | كتاب الأشربة | كتاب الأطعمة | كتاب الطب | كتاب العتق | كتاب الحروف والقراءات | كتاب الحمام | كتاب اللباس | كتاب الترجل | كتاب الخاتم | كتاب الفتن والملاحم | كتاب المهدي | كتاب الملاحم | كتاب الحدود | كتاب الديات | كتاب السنة | كتاب الأدب

مخطوطة المسائل الماردينية

هذا جواب من ابن تيمية عن المسائل الماردينية

https://upload.wikimedia.org/wikisource/ar/8/8a/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9_%D8%AE.pdf

=

 

Translate

Wikipedia باقي 7×10-

نتائج البحث

مصحف ويكي

١ سورة الفاتحة ٢ سورة البقرة ٣ سورة آل عمران ٤ سورة النساء ٥ سورة المائدة ٦ سورة الأنعام ٧ سورة الأعراف ٨ سورة الأنفال ٩ سورة التوبة ١٠ سورة يونس ١١ سورة هود ١٢ سورة يوسف ١٣ سورة الرعد ١٤ سورة إبراهيم ١٥ سورة الحجر ١٦ سورة النحل ١٧ سورة الإسراء ١٨ سورة الكهف ١٩ سورة مريم ٢٠ سورة طه ٢١ سورة الأنبياء ٢٢ سورة الحج ٢٣ سورة المؤمنون ٢٤ سورة النور ٢٥ سورة الفرقان ٢٦ سورة الشعراء ٢٧ سورة النمل ٢٨ سورة القصص ٢٩ سورة العنكبوت ٣٠ سورة الروم ٣١ سورة لقمان ٣٢ سورة السجدة ٣٣ سورة الأحزاب ٣٤ سورة سبأ ٣٥ سورة فاطر ٣٦ سورة يس ٣٧ سورة الصافات ٣٨ سورة ص ٣٩ سورة الزمر ٤٠ سورة غافر ٤١ سورة فصلت ٤٢ سورة الشورى ٤٣ سورة الزخرف ٤٤ سورة الدخان ٤٥ سورة الجاثية ٤٦ سورة الأحقاف ٤٧ سورة محمد ٤٨ سورة الفتح ٤٩ سورة الحجرات ٥٠ سورة ق ٥١ سورة الذاريات ٥٢ سورة الطور ٥٣ سورة النجم ٥٤ سورة القمر ٥٥ سورة الرحمن ٥٦ سورة الواقعة ٥٧ سورة الحديد ٥٨ سورة المجادلة ٥٩ سورة الحشر ٦٠ سورة الممتحنة ٦١ سورة الصف ٦٢ سورة الجمعة ٦٣ سورة المنافقون ٦٤ سورة التغابن ٦٥ سورة الطلاق ٦٦ سورة التحريم ٦٧ سورة الملك ٦٨ سورة القلم ٦٩ سورة الحاقة ٧٠ سورة المعارج ٧١ سورة نوح ٧٢ سورة الجن ٧٣ سورة المزمل ٧٤ سورة المدثر ٧٥ سورة القيامة ٧٦ سورة الإنسان ٧٧ سورة المرسلات ٧٨ سورة النبأ ٧٩ سورة النازعات ٨٠ سورة عبس ٨١ سورة التكوير ٨٢ سورة الانفطار ٨٣ سورة المطففين ٨٤ سورة الانشقاق ٨٥ سورة البروج ٨٦ سورة الطارق ٨٧ سورة الأعلى ٨٨ سورة الغاشية ٨٩ سورة الفجر ٩٠ سورة البلد ٩١ سورة الشمس ٩٢ سورة الليل ٩٣ سورة الضحى ٩٤ سورة الشرح ٩٥ سورة التين ٩٦ سورة العلق ٩٧ سورة القدر ٩٨ سورة البينة ٩٩ سورة الزلزلة ١٠٠ سورة العاديات ١٠١ سورة القارعة ١٠٢ سورة التكاثر ١٠٣ سورة العصر ١٠٤ سورة الهمزة ١٠٥ سورة الفيل ١٠٦ سورة قريش ١٠٧ سورة الماعون ١٠٨ سورة الكوثر ١٠٩ سورة الكافرون ١١٠ سورة النصر ١١١ سورة المسد ١١٢ سورة الإخلاص ١١٣ سورة الفلق ١١٤ سورة الناس

 

 

المصحف الملون

 

سورة النساء

سورة آل عمران

سورة البقرة

سورة الفاتحة

سورة الأنفال

سورة الأعراف

سورة الأنعام

سورة المائدة

سورة يوسف

سورة هود

سورة يونس

سورة التوبة

سورة النحل

سورة الحجر

سورة إبراهيم

سورة الرعد

سورة طه

سورة مريم

سورة الكهف

سورة الإسراء

سورة النور

سورة المؤمنون

سورة الحج

سورة الأنبياء

سورة القصص

سورة النمل

سورة الشعراء

سورة الفرقان

سورة السجدة

سورة لقمان

سورة الروم

سورة العنكبوت

سورة يس

سورة فاطر

سورة سبأ

سورة الأحزاب

سورة غافر

سورة الزمر

سورة ص

سورة الصافات

سورة الدخان

سورة الزخرف

سورة الشورى

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة محمد

سورة الأحقاف

سورة الجاثية

سورة الطور

سورة الذاريات

سورة ق

سورة الحجرات

سورة الواقعة

سورة الرحمن

سورة القمر

سورة النجم

سورة الممتحنة

سورة الحشر

سورة المجادلة

سورة الحديد

سورة التغابن

سورة المنافقون

سورة الجمعة

سورة الصف

سورة القلم

سورة الملك

سورة التحريم

سورة الطلاق

سورة الجن

سورة نوح

سورة المعارج

سورة الحاقة

سورة الإنسان

سورة القيامة

سورة المدثر

سورة المزمل

سورة عبس

سورة النازعات

سورة النبأ

سورة المرسلات

سورة الإنشقاق

سورة المطففين

سورة الإنفطار

سورة التكوير

سورة الغاشية

سورة الأعلى

سورة الطارق

سورة البروج

سورة الليل

سورة الشمس

سورة البلد

سورة الفجر

سورة العلق

سورة التين

سورة الشرح

سورة الضحى

سورة العاديات

سورة الزلزلة

سورة البينة

سورة القدر

سورة الهمزة

سورة العصر

سورة التكاثر

سورة القارعة

سورة الكوثر

سورة الماعون

سورة قريش

سورة الفيل

سورة الإخلاص

سورة المسد

سورة النصر

سورة الكافرون



سورة الناس

سورة الفلق





9 مصاحف اضغط المربع المرفق لكل مصحف باقي770ثم---

اخبط الصورة -مصحف المدينة المنورة /صفحة واحدة /مصحف المدينة المنورة /صفحتين /مصحف/التجويد/الملون /مصحف المدينة النبوية/برواية ورش /مصحف المدينة المنورة/النسخة الحديثة /مصحف المدينة 800-600 /المصحف بالرسم العثماني /المصحف نسخة الشمرلي /مصحف المدينة بي دي اف
القرآن الكريم
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: الم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه "

فهرست المدونة المنمق


  • شيف المدونة الإلكترونية اخبط السهم شمالا او لتاريخ بجانبه بااقيي7700
  • كتاب:أخلاق أهل القرآن -الآجري
  • كتاب:اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجه...
  • الفيزياء الفلكية النووية
  • تاريخ الفيزياء الطبية
  • الفيزياء الفلكية
  • الكيمياء الحيوية
  • المجموعة الشمسية
  • علوم اللغة العربية
  • علوم القرآن
  • العلوم العصبية
  • علوم الأرض
  • العلم الزائف
  • الرياضيات البحتة
  • مشروع الجينوم البشري ومنظمة للجينوم البشري
  • تاريخ علم الأحياء ومشروع البروتيوم البشري
  • بوابة:علم الأحياء
  • إنجيل برنابا من ويكي مصدر
  • كتاب ميزان الحكمة عبد الرحمن الخازني
  • كتاب المناظر لابن الهيثم
  • كتاب رقائق الحقائق في حساب الدرج والدقائق محمد سب...
  • مكتبة علوم القران
  • ابن القيم
  • ابن القيمىم مصنفات
  • كتاب صيغ الحمد ابن القيم
  • الطب النبوي لابن قيم الجوزية
  • كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجه...
  • إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن قيم الجوزية
  • كتاب الأمثال في القرآن الكريم ابن القيم
  • كتاب التبيان في أقسام القرآن لابن القيم :مطبوع
  • الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي 1 الجزء ...
  • الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي 2 الجزء ا...
  • كتاب الرسالة التبوكية للإمام الحافظ ابن قيم الجوزية.
  • كتاب الروح لابن القيم بروابط بينية
  • روابط كل كتاب الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية ...
  • كل كتاب الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعط...
  • ابن القيم الجوزية
  • كتاب الفروسية لابن قيم الجوزية
  • كتاب المنار المنيف في الصحيح والضعيف للإمام ابن ا...
  • كتاب الوابل الصيب لابن القيم
  • كتاب أسرار الصلاة الإمام محمد بن أبي بكر بن القي...
  • اعلام الموقعين عن رب العالمين الجزء الاول والثاني
  • إعلام الموقعين/الجزء الثالث والرابع
  • الجزء الخامس إعلام الموقعين لابن القيم
  • بدائع الفوائد/المجلد الأول
  • بدائع الفوائد/المجلد الثاني
  • يدائع المجلد 3 الثالث
  • بدائع الفوائد المجلد الرابع ابن القيم
  • مدارج السالكين/الجزء الأول لابن القيم
  • مدارج السالكين لابن القيم /الجزء الثاني
  • مفتاح دار السعادة 1 و2و3-ابن قيم الجوزية
  • كتاب تحفة المودود لابن القيم
  • كتاب جلاء الأفهام لابن قيم الجوزية
  • كتاب روضة المحبين لابن القيم
  • روابط كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والح...
  • كتاب روضة المحبين لابن القيم
  • ج1..طريق الهجرتين وباب السعادتين/1 .
  • ج 2/طريق الهجرتين وباب السعادتين/2..
  • عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين للعلامة ابن قيم الجوزية
  • كتاب فتاوى إمام المفتين ابن القيم
  • كتاب الصلاة وحكم تاركها/ لابن القيم
  • نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول الإ...
  • روابط ويكي لكتاب هداية الحيارى
  • * رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه
  • مؤلفات ابن تيمية
  • اقتضاء الصراط المستقيم/1 .لابن تيمية
  • * مجموع الفتاوى/المجلد الثامن عشر/أحاديث رواها شيخ...
  • مجموع الفتاوى/المجلد العشرون/فصل في الحقيقة والمجا...
  • رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية عند مداهمة التتار لأرض...
  • رسالة في فضل الخلفاء الراشدين لابن تيمية .
  • رسالة في علم الباطن والظاهر لإبن تيمية
  • رسالة في عموم رسالة الرسول للثقلين ابن تيمية
  • مجموع الفتاوى/المجلد الثامن والعشرون ابن تيمية الم...
  • رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الملك الناصر ابن ...
  • مجموع الفتاوى/المجلد السادس/رسالة إلى أهل البحرين ...
  • الرسالة السنية إلى الطائفة العدوية تصنيف شيخ الإس...
  • الرسالة القبرصية ابن تيمية {رسالة من ابن تيمية إلى...
  • الرسالة العرشية {الرسالة العرشية ابن تيمية}
  • رسالة حقيقة الصيام ابن تيمية
  • الرسالة التدمرية في التوحيد والأسماء والصفات والقض...
  • دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (مختارات) تق...
  • الرسالة الأكملية لإبن تيمية
  • مجموعة الرسائل والمسائل ابن تيمية
  • الْتِهابُ الدِّماغِ الخَيلِيُّ الشَّرْقِيّ، المعرو...
  • الحُمَّى البُوليفِيَّةُ النَّزْفِيَّة + التهاب الم...
  • درء العقل والمنطق لابن تيمية
  • درء تعارض العقل والنقل/1.لان تيمية
  • درء تعارض العقل والنقل/2. لابن تيمية الي 55 جزء

من أنا باقي770...

صورتي
تدوينة
عرض الملف الشخصي الكامل الخاص بي

محتوي حنين

ha/ne/n // أتنزيل خبار الدجال الحافظ عبد الغني المقدسي /كتاب المنتقى من كتاب الروح لابن القيم جمع فهد بن ع... /مواعظ الإمام ابن الجوزي رحمه الله /سلسلة النةابغ لغة عربية 3ث ج1. /صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، من التكبير إلى ... /صلوا كما رأيتموني أصلي وورد /الجزء الرابع كتاب الصلاة من 600 الي 800 صفحة /ج3. من 401 الي 600 الصلاة للألباني ج3. الصلاة للأ... /ج 2 من 201 الي 400 .الصلاة للالباني /كتاب الصلاة للألباني ج1. كتاب صلوا كما رأيتموني اص... /أحكام الجنائز وبدعها /احكام الجنائز من 178 الي 351 الجزء الثاني والاخير /كتاب أحكام الجنائز الجزء الأول من 1 الي 177.. /احكام الجنائز 1. /اللهم ارحم واغفر /أعمال ينتفع بها الميت واخرى لا تنفعه /الفهرست النهائي الفهرست النهائي 1.الفاتحة 7 اي... /ذكر الموت /لحظات قبل الموت /خطبة قصيرة عن الموت /مواعظ لابن الجوزي في الموت /خطبة [ موعظة الموت [ /الوالدة عليها رحمة الله ووالدي وأمواتنا وأموات الم... /بسم الله والحمد لله /بسم الله صفحة البداية /

با.قي.520-----فوري. المظهر: Awesome Inc‎.‎. يتم التشغيل بواسطة Blogger.